X
سالم الكتبي

هل تنجح استراتيجية «الخطوة خطوة» الإيرانية؟

الأربعاء - 17 فبراير 2021

Wed - 17 Feb 2021

رغم رفض الرئيس حسن روحاني الواضح والصريح لعودة بلاده للالتزام ببنود الاتفاق النووي قبل عودة الولايات المتحدة للانخراط مجددا في الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس السابق دونالد ترمب في منتصف عام 2018، عاد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ليطرح استراتيجية يمكن تسميتها بالعودة المتزامنة أو سياسة «الخطوة خطوة»، حيث تحدث عما وصفه بحل وسط يتمثل في العودة المتزامنة للاتفاق وبنوده والتزاماته من قبل الجانبين، الإيراني والأمريكي، وذلك وفق خطوات متدرجة، أي تناول مقابل تنازل، وهكذا تمضي الأمور بحسب رؤية ظريف وبرعاية وسيط أوروبي.

والحقيقة أن الرد الأمريكي على المقترح الإيراني جاء في صيغة الرفض المبطن، وأعتقد بأن هذا الأمر مقنع لسبب بسيط، هو أن الولايات المتحدة لا يمكنها الحديث عن عودة للاتفاق النووي قبل التأكد من عودة إيران لالتزاماتها الواردة في هذا الاتفاق، ولا سيما ما يتعلق بنسب تخصيب اليورانيوم (3,5%) والتأكد من التخلص من كميات اليورانيوم المخصب المنتجة خلال فترة انتهاك بنود الاتفاق، وكذلك تفتيش المنشآت النووية الإيرانية للتأكد من سقف القدرات الإنتاجية لأجهزة الطرد المركزي في تلك المنشآت، وهي عملية معقدة ويتوقع أن تستغرق وقتا لن يقل عن عام، وبالتالي يصبح أي إعلان أمريكي عن بدء إجراءات العودة للاتفاق النووي بمنزلة انتصار سياسي مجاني للملالي من دون أي مقابل للجانب الأمريكي!







صحيح أن المزاج السياسي للملالي بات يميل إلى التشدد أكثر من أي وقت مضى بحكم الإهانات القاسية التي تعرض لها النظام خلال فترة حكم الرئيس ترمب، ولكن المنطق يقول إن عليهم إبداء مرونة تفاوضية، سواء فيما يتعلق بإطار المفاوضات المزمعة التي يرى الجميع أنها يجب أن تشمل دولا إقليمية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، أو بإعلان التوقف عن انتهاك بنود الاتفاق النووي لتهيئة الأجواء ومنح الفرصة للإدارة الأمريكية لاتخاذ قرار صعب يخص العودة للاتفاق، ولا سيما أن هذه الأزمة قد استنزفت كثيرا من الجهود الأمريكية في الشرق الأوسط، وباتت معقدة لدرجة يصعب معها القول بأن هذه العودة هي مفتاح استعادة الأمن والاستقرار الإقليمي.

الواقع يقول إن الملالي لا يجيدون قراءة إشارات الإدارة الأمريكية الجديدة، وظلوا يتعاملون معها - حتى قبل أيام مضت - باعتبارها امتدادا لإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، حتى فاجأتهم تصريحات أنتوني بلينكن وزير الخارجية الجديد، التي أكد خلالها حرص إدارته على التشاور مع حلفائها قبل الإقدام على أي خطوة تجاه الملف النووي الإيراني، وتحدث عن إلغاء الاتفاق القديم والتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق جديد بشروط جديدة، متضمنة البرنامج الصاروخي الإيراني والدور الإقليمي والأذرع الميليشياوية العسكرية لنظام الملالي، وهذا كله يعني أننا أمام رؤية أمريكية لم تتغير تقريبا بتغير سيد البيت الأبيض، وأن التغير الحاصل هو تغير على مستوى التكتيك، وقد كان ذلك واضحا بجلاء منذ بداية الحملة الانتخابية للرئيس بايدن، فالاعتراض والنقد كانا موجهين لاستراتيجية ترمب وليس للهدف، وهذا ما نراه الآن واضحا، ولكن الملالي استغرقوا في التحليل بالتمني واعتقدوا أن هناك انقلابا أو تحولا جذريا سيحدث، وأن الولايات المتحدة بصدد العودة لنهج الرئيس أوباما في التعامل مع هذا الملف المعقد!

قناعتي أن تصريحات بلينكن تشير إلى موقف أمريكي أكثر حزما من مواقف إدارة الرئيس ترمب، الذي لم يتحدث على سبيل المثال عن أن الملالي على بُعد أسابيع من امتلاك سلاح نووي، وهذا التصريح بحد ذاته مهم للغاية ليس لأنه يلزم الإدارة الأمريكية بتحرك سياسي جاد لوقف هذا الخطر الداهم على مصالحها وحلفائها، ولكن لأن الوزير الجديد لم يكن مضطرا إليه، خاصة في بدايات تولي المسؤولية، ولكن يبدو أنه أراد وضع الحلفاء الأوروبيين أمام مسؤولياتهم والقيام بدور رئيسي في الضغط على الملالي والتصدي مبكرا لأي دعم روسي أو صيني للجانب الإيراني في مسألة الاتفاق النووي، وربما أراد بلينكن كذلك تعظيم الضغوط على الملالي باعتبار أن تقييمه المعلن للخطر يمثل في أحد أبعاد «ضوءا أخضر» يمكن لإسرائيل - لو أرادت - استغلاله في توجيه ضربة عسكرية مباغتة ضد المنشآت النووية الإيرانية، ولا سيما أن الجانب الإسرائيلي قد تجاوز عتبة التهديد الإعلامي وبات يناقش هذا السيناريو بشكل رسمي معلن على المستوى الحكومي والعسكري، حتى إن الحكومة الأمنية المصغرة قد عقدت اجتماعا خصص لمناقشة الملف النووي الإيراني.

الواضح أن الملالي لا يريدون الظهور بمظهر المتراجع ويسعون منذ البداية للحصول على انتصار سياسي في حال عودة الولايات المتحدة للاتفاق بشكل غير مشروط، ولكن الرئيس بايدن في المقابل لا يمكنه الإقدام على خطوة كهذه في ظل هذه البيئة الداخلية المنقسمة، كما أنه يحتاج إلى اتخاذ قرارات تثبت استعادة هيبة الولايات المتحدة عالميا لا العكس، وبالتالي يبقى الموقف (محلك سر)، بانتظار اختراق مؤثر من جانب أحد الأطراف المعنية بالأزمة، وهذا أمر مستبعد على الأقل في ظل المعطيات الراهنة.

drsalemalketbi@