X
سالم الكتبي

«النووي» الإيراني في دائرة التصويب

الاحد - 07 فبراير 2021

Sun - 07 Feb 2021

ليس مفاجئا أن يصبح الملف النووي الإيراني أحد أهم شواغل الإدارة الأمريكية الجديدة منذ تولي الرئيس جو بايدن منصبه في العشرين من يناير الماضي، لأنه يعتبر أن الأزمة الإقليمية المرتبطة بهذا الملف تمثل أخطر مصادر تهديد الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وهذا صحيح تماما، ولكن يبقى تباين الآراء حول سبل التعاطي مع هذا الخطر، ولا سيما فيما يتعلق بالموقف الأمريكي حيال الاتفاق النووي الذي تم توقيعه بين نظام الملالي الإيراني ومجموعة «5+1» عام 2015.

ومن خلال متابعتي الدقيقة للأحداث والتطورات العالمية في بعدها الاستراتيجي، أستطيع القول من دون مواربة إن الأسبوع الفائت هو أسبوع النووي الإيراني بامتياز، حيث تقاطرت الآراء وردود الأفعال والتفاعلات حول هذا الموضوع بوتيرة سريعة للغاية، وفي هذا الإطار يمكن رصد ملاحظات عدة، أهمها أن إدارة الرئيس بايدن - وكما توقعت في مقالات سابقة - لن تبادر بمنح الملالي صكا على بياض للعودة إلى الاتفاق النووي، بل هذه العودة لن تكون سهلة ولا مجانية بالمرة كما تخيل كثيرون، وما يحدث هو العكس تماما، حيث تضع إدارة الرئيس بايدن شرطا تلو آخر قبل اتخاذ هذا القرار الحيوي، في تكتيك تفاوضي يستهدف كسب الوقت وإنهاك الملالي الذين يجيدون إنهاك خصومهم، ولكن فريق الرئيس بايدن يفترض أنه اكتسب الخبرة الكافية للتعامل مع عقلية المفاوض الإيراني.







هذا ما يتجلى في الشروط التي تضعها واشنطن، والتي تحقق أهدافا لا تقتصر فقط على الهدفين السابقين، وإنما تحقق أغراضا أخرى مهمة، مثل توفير الوقت المناسب للإدارة الجديدة للتعامل مع أولويات داخلية وخارجية لا تقل إلحاحا، وربما تفوقه، والتنسيق بشكل جيد مع حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين والشرق أوسطيين وصولا إلى صيغة توافقية، فضلا عن الانتظار حتى انتهاء انتخابات الرئاسة الإيرانية المقررة منتصف العام الحالي، والتفاوض مع رئيس إيراني جديد، باعتقاد أنه سيكون منفتحا على تحقيق انتصار سياسي يفتتح به سنوات رئاسته، خاصة أن الشواهد جميعها تؤكد أن الرئيس حسن روحاني بات يميل إلى التشدد في الآونة الأخيرة، رافضا تقديم أي تنازلات من أجل إحياء الاتفاق النووي وتوفير الظروف الملائمة للعودة الأمريكية المزمعة إليه.

والمؤكد أن علامات تشدد روحاني ليست مستغربة، لأنه ينهي فترة رئاسته الثانية في غضون أشهر، ولن يكون مرحبا بتقديم تنازلات تعرضه لانتقادات حادة من جانب معارضيه، فضلا عن تضعضع نفوذه السياسي وتضاؤل قدرته على إقناع المرشد الأعلى خامنئي بتوفير أي هامش مناورة له على هذا الصعيد، حيث يعتقد أن خامنئي يميل إلى الدفع بشخصية متشددة لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، على أمل انتزاع تنازلات أكبر من الولايات المتحدة والقوى الكبرى، وذلك في إطار لعبة توزيع الأدوار التي تجيدها مؤسسة ولي الفقيه في المراوحة بين من يصنفهم الغرب إصلاحيين ومحافظين سواء على كرسي الرئاسة أو غيره من المناصب القيادية في نظام الملالي.

على الخلفية السابقة تطرح تساؤلات عدة، مثل: ما دام أن الولايات المتحدة لم تبادر للعودة إلى الاتفاق النووي فما هو سر تصاعد التهديدات الإسرائيلية، والتلويح المتكرر بضرب المنشآت النووي الإيرانية؟ وهنا يمكن الإشارة إلى نقاط عدة أولاها أن التكتيك التفاوضي الأمريكي يمكن أن ينطوي على محاذير خطيرة بالفعل، مثل مواصلة الملالي انتهاك بنود الاتفاق النووي، ولا سيما فيما يتعلق بمعدلات تخصيب اليورانيوم، وصولا إلى عتبة الجاهزية لإنتاج سلاح نووي في غضون أشهر معدودات، وهو احتمال قائم تشير إليه مصادر إسرائيلية عديدة، ويصعب نفيه أو استبعاده في ظل غياب الرقابة الدقيقة والمستمرة من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الأنشطة النووية الإيرانية، فضلا عن أن «اطمئنان» الملالي لنوايا إدارة الرئيس بايدن والعراقيل التي تحول دون افتراض إقدامها على خوض حرب مفاجئة ضد إيران، يجعل السيناريو ورادا بنسبة ما.

ثانية هذه النقاط أن الملالي ربما يعتزمون تسريع وتيرة أنشطتهم النووية، وترسيخ واقع استراتيجي جديد يؤخذ بالاعتبار عند الجلوس على مائدة التفاوض، سواء كان الهدف توسيع إطار الاتفاق النووي القائم أو البحث عن إطار تفاوضي بديل، حيث يمكن وقتذاك انتزاع مكاسب وتنازلات جديدة من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، بدلا من تحقق الهدف المعاكس، وهو لجم الطموحات النووية والعسكرية الإيرانية!

والأخطر من هذا وذاك أن وصول الملالي إلى مستويات قياسية في تخصيب اليورانيوم سيضاعف العقبات الاستراتيجية والعملياتية أمام تنفيذ سيناريو تدمير المنشآت النووية الإيرانية، بل ربما يجعل هذه الفكرة مستبعدة تماما، ويصبح على الجميع التعامل مع واقع إيران نووية، وهذا هو السيناريو الكارثي الذي يخشاه الجميع في المنطقة والعالم.

drsalemalketbi@