X
فهد عبدالله

سقف المألوفات

الأربعاء - 20 يناير 2021

Wed - 20 Jan 2021

أتذكر تلك القصة الرمزية عن ذلك الكتكوت الذي خرج من البيضة ويحادث كتكوتا آخر ما زال داخل البيضة الأخرى ولم يخرج للحياة الجديدة، ويقول له إن هناك حياة أخرى أكبر وأجمل من تلك الحياة التي عشناها داخل البيضة، فيرد عليه الكتكوت الآخر متهكما: وهل هناك حياة أجمل من عالمنا الواسع الجميل داخل البيضة، هي قصة رمزية، لكنها تحمل عبرة خالدة، هي أن الإنسان في أحكامه وأفكاره وآرائه يحده سقف تلك البيضة التي ألفها في حياته، وإذا تنامى لديه شيء مختلف عن خارج قشرة محيط القناعات والعادات الفكرية التي نشأ عليها فسيتعامل معها في الأغلب، إلا ما ندر، بعقلية وتصرفات ذلك الكتكوت داخل البيضة.

وهذا يفسر لماذا أحيانا تكون هناك مقاومة تلقائية للفكرة الجديدة والرأي الجديد، لأنها احتوت على أشياء ليست في قائمة المألوفات السابقة لدينا، وإذا بدأت تتنامى وتزدهر بعد ذلك تلمحها تدب شيئا فشيئا في دائرة المألوفات لدينا، وبالتأكيد تقل مقاومتها كذلك تدريجيا حتى تصبح من ضمن عداد المألوفات التي دخلت لدى الإنسان تحت سقف قشرة البيضة التي توسع حجمها عما قبل.







لهذا يمكن الجزم بوضوح بأن التركيبة الذهنية التي تشكل الإنسان بدرجة أولى ما هي إلا مخرج من مخرجات التفاعلات التي تحدث له في مجتمعه وتحت سطوة الاتصال بجميع أنواعه، مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، فهو يؤكد أن البيئة الاجتماعية لها دور كبير جدا في تشكيل هوية الإنسان الدينية، وسيكون ذلك عاملا مؤثرا وعابرا لتشكيل الهويات الأخرى والتركيبة الذهنية التي تحدثنا عنها، وفي الآية الكريمة قوله تعالى «إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مهتدون» التي تبين تلك القوة الضاغطة في مقاومة الشيء الجديد التي لربما ستزحزح ذلك السقف القديم أو تنشئ سقفا مختلفا باختلاف سقف الحياة التي تحدها السماء والأرض عن سقف تلك البيضة الصغيرة الذي ذكر في بداية المقال.

والتأمل في هذه العبرة الخالدة المتكررة يمكن أن يحظى بعشرات التطبيقات المفيدة في حياة الإنسان والمجتمع والمؤسسات، سأذكر شيئا منها كما أتأملها:

- عندما يكون العقل لا يصدر رأيا أو حكما إلا من خلال معارفه والمألوفات السابقة التي تمثل قشرة البيضة، هذا يقودنا إلى أن اتساع حجم البيضة أو تجاوز ذلك السقف لا يكونان إلا من خلال التعرف على علوم ومعارف جديدة والتأمل في مألوفات الإنسان الآخر والمجتمعات الأخرى.

-وتيرة المعرفة في تزايد متسارع في عصر المعلومات الذي نعيشه، إضافة إلى مبدأ المألوفات الذي يسيطر على الحكم والرأي يقود إلى أهمية التعرف على القناعات الجديدة وتقبلها، وليس بالضرورة الاقتناع بها، ولكن تحدثنا الأيام والسنين بأن أشياء غير مألوفة لدينا في السابق أو معقولة أصبحت لدينا الآن في عداد البديهيات، وما قد يكون اليوم لدينا غريبا غير مألوف قد يكون غدا من البديهيات.

- التغيير الثقافي لأي مجتمع أو مؤسسة لا يمكن له التوسع والنمو دون وجود قرارات نافذه تلامس تكوين القناعات الجديدة، وترويج على مستوى واسع لهذا التغير الجديد حتى يكون النمو والانتشار والتبني لهذه الثقافة الجديدة في معدلات متسارعة.

- كثير من الاختلافات الحادة أو التي يكون فيها نوع من التعصب والغلو تجاهها يساهم فيها بشكل كبير، ودعني أسميها (قداسة السقف)، وأقصد به إضافة هالة من القداسة للعادات والمعارف التي ألفناها لدرجة عدم استساغة تلك العادات والمعارف الموجودة تحت ظل الأسقف الأخرى، فضلا عن مجرد النظر فيها.

- أقصر طريق لزحزحة أسقف المألوفات والمعارف التي نقبع دونها هو الانفتاح المتجرد تجاه مألوفات ومعارف الأسقف الأخرى، ومحاولة لملمة العدالة النفسية تجاهها لذلك كانت الحكمة هي الضالة التي يجب أن تكون مثار الاهتمام لدى صاحبها تحت أي سقف كانت أو إلى أي اتجاه ذهبت.

أخيرا، نشهد في الثلاث السنوات الأخيرة في مجتمعنا السعودي عديدا من الأحداث التي تقوم بها مؤسسات متعددة ومختلفة تجاه رعاية جوانب متعددة في المعرفة والابتكار والاقتصاد والرياضة والسياحة وغيرها من الجوانب المستهدفة في الرؤية الحالمة 2030، والحقيقة أشعر بشيء من البهجة تسكنني حينما ألمح بعض تفاصيلها، وعلى يقين بأن ذلك سيكون له شأن كبير في القريب العاجل، من حيث غلة مؤشرات الأداء الوفيرة في هذه المجالات، وبالتالي سيكون هناك أسقف مألوفات جديدة للمجتمع السعودي مدارها: كيف ننتقل سريعا إلى الأمام؟ وأي مجتمع ينشغل بمثل هذه التوجهات بالتأكيد بعد أن كان ماشيا في طريق النهضة سيكون مهرولا، وتكوين وترويج هذا التغيير الثقافي واستمراره سيشكلان عقولا جديدة وتركيبات ذهنية تتعامل مع هذه الجوانب الجديدة، بأنها ضمن قائمة المألوفات المجتمعية.

fahdabdullahz@