X
سالم الكتبي

التحدي الأصعب للرئيس بايدن

الاثنين - 18 يناير 2021

Mon - 18 Jan 2021

رغم الإرث الشائك والمعقد الذي خلفه الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب للرئيس جو بايدن، فإن رأب انقسامات المجتمع الأمريكي يبقى الملف الأصعب والأكثر حساسية بالنسبة للبيت الأبيض خلال السنوات الأربع المقبلة، ولا سيما أن الأمور قد ازدادت تعقيدا بتصويت مجلس النواب لصالح قرار اتهام الرئيس ترمب بتحريض أنصاره في أعمال الشغب التي شهدها مبنى «الكابيتول» في الأسبوع الأول من شهر يناير الحالي.

الحقيقة أن معالم الانقسام المجتمعي والحزبي العميق بشواهد واضحة للغاية، فالأمر لم يقتصر على الشارع الأمريكي الذي صوت نحو 74 مليونا من ناخبيه لمصلحة تولي ترمب ولاية رئاسية ثانية، بل بات يشمل أيضا الحزب الجمهوري، الذي بات منقسما على نفسه، حيث انضم عشرة نواب من الجمهوريين أعضاء مجلس النواب إلى جانب الديمقراطيين في التصويت لصالح قرار اتهام ترمب، الذي جاء بنتيجة 232 صوتا مقابل 197 صوتا، ليصبح ترمب أول رئيس في التاريخ الأمريكي يواجه احتمالية العزل من منصبه، أو يتهمه الكونجرس بارتكاب جرائم، مرتين خلال فترة ولايته.

بعض الجمهوريين يتهمون الديمقراطيين باستغلال الفرصة رغم مخاطر بث الفرقة ويندفعون للثأر سياسيا من ترمب، والنيل منه، بينما يؤيد جمهوريون آخرون معاقبة ترمب، ومنهم ليز تشيني ثالث أكبر الأعضاء الجمهوريين في مجلس النواب، والتي وصفت ما حدث بقولها «لم يكن هناك خيانة أكبر من ذلك من قبل رئيس لمنصبه ولليمين الدستورية». ورغم ذلك هناك وجهة نظر تقول أن زعماء الجمهوريين يشعرون بالرضا حيال مسعى الديمقراطيين لإدانة ترمب كون ذلك يسهم في تخليص الحزب من ترمب من دون خسائر سياسية كبيرة، ما يعني أن حسابات المصالح للغالبية الجمهورية تتغير ولا سيما بعد أن كلفهم تحدي ترمب لصناديق الاقتراع فقدان مقعدين في مجلس الشيوخ في ولاية جورجيا، وبالتالي خسارة الأغلبية الحزبية في المجلس وسيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونجرس، فضلا عن أن بعض النواب الجمهوريين قد آثروا الابتعاد بشكل واضح عن نهج ترمب خوفا على مستقبلهم السياسي.

ورغم أن إدانة ترمب في مجلس الشيوخ تبدو مستبعدة إلى حد كبير بالنظر إلى تبعاتها السياسية المحتملة على مستقبل الحزب ذاته، لكن عواقب ما يجري على الساحة السياسية الأمريكية ليست سهلة بالمرة، وتكفي حالة الاستنفار الأمني غير المسبوقة والإجراءات الاستثنائية التي تصاحب عملية انتقال السلطة وأداء الرئيس بايدن اليمين الرئاسي غدا، حيث تتوالى تحذيرات الجهات والمؤسسات الأمنية الأمريكية من اندلاع احتجاجات عنيفة، وربما مسلحة يعتقد أن البعض يخطط لها في العاصمة واشنطن وعواصم الولايات الأمريكية قبيل وأثناء تنصيب بايدن رئيسا.

الانقسام لن ينتهي بغياب ترمب عن المشهد السياسي الأمريكي رسميا بانتهاء ولايته، فهناك من يقول إن ترمب خارج السلطة قد يكون أخطر من وجوده في البيت الأبيض، وأن التيار «الترمبي» الذي يضم أكثر من 70 مليون ناخب أمريكي، إضافة إلى شريحة عريضة من نواب الكونجرس، لن يستسلم بسهولة، بل سيبقى رقما صعبا في المشهد السياسي والحزبي الأمريكي، ويجب أن نتذكر أن هناك 139 مشرعا جمهوريا صوتوا ضد قبول نتيجة انتخابات الرئاسة 2020، وهذه بحد ذاتها تمثل معضلة لا تقل عن معضلة عدم اعتراف ترمب بهذه النتيجة! ناهيك عن أن ترمب نفسه - في حال فشل مساءلته - لن ينسحب من الحياة السياسية، بل قد يتجه إلى قيادة أنصاره ومؤيديه من خلال منصات حزبية وإعلامية بديلة!

ثمة من يحذر أيضا من اندفاع قادة الديمقراطيين إلى نوع من الثأر السياسي من ترمب ومؤيديه من الحزب الجمهوري، وتنصب هذه التحذيرات تحديدا على انفعالات رئيس مجلس النواب الديمقراطية نانسي بيلوسي التي وصفت ترمب بأنه «خطر واضح وقائم على الأمة»، لذا اتجه بعض قادة الحزب الجمهوري إلى مناشدة خصومهم الديمقراطيين بالتخلي عن مساءلة ترمب حفاظا على الوحدة الوطنية، وهنا نشير إلى كلمات كيفن مكارتي كبير الجمهوريين في مجلس النواب الذي قال «إن عزل الرئيس في مثل هذا الإطار الزمني القصير سيكون خطأ»، مضيفا «هذا لا يعني أن الرئيس لم يرتكب أي خطأ، الرئيس يتحمل المسؤولية عن هجوم الأربعاء على الكونجرس من قبل مثيري الشغب الغوغائيين»، وهو اتهام جمهوري واضح لترمب ولكن يبقى الانتماء الحزبي والسعي للحفاظ على تماسك الحزب ومصالحه الفيصل في مواقف غالبية الأعضاء.

الحقيقة أن مساءلة الرئيس ترمب في مجلس الشيوخ، التي قد تمتد إجرائيا إلى الأيام الأولى من رئاسة جو بايدن، تضيف مزيدا من التحديات بل والصعاب للرئيس الأمريكي الجديد، حيث بات عليه التعامل مع شعب منقسم وحزب جمهوري منقسم بين مؤيد لأسلوب ترمب ومعارض له.

والحقيقة الواضحة أن الأيام المقبلة تبدو حساسة ومهمة للغاية لمستقبل الولايات المتحدة، سواء بحكم القلق الذي يرافق عملية انتقال السلطة رسميا، أو جراء ملف مساءلة ترمب، الذي يجعل مهمة الرئيس بايدن في الإمساك بزمام الأمور أصعب بالنظر إلى حاجة الرئيس الجديد للعمل بسرعة وفاعلية على تجسير الهوة ووحدة الصف، ولم شمل الأمريكيين منذ الساعات الأولى لتوليه منصبه، بدلا من التورط في عملية المساءلة التي قد تتسبب في ندوب أعمق في المجتمع الأمريكي، حيث يحذر كثيرون من تمادي الديمقراطيين في إذلال ترمب وعدم تفويت الفرصة للانتقام منه، بدلا من الاكتفاء بما حدث له وإيداع ملفه أدراج التاريخ الذي سيحكم عليه لا محالة سواء سلبا أو إيجابا.

drsalemalketbi@