X
وليد الزامل

شبكة الحياة في المدن

الاحد - 10 يناير 2021

Sun - 10 Jan 2021

ذكرت في مقال سابق أن المدينة ليست مجرد تراكمات عمرانية تتكون من منشآت ملموسة، بل هي سلسلة معقدة من المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تتفاعل باستمرار ويحكمها نظريا إطار قانوني.

إن المنافسة في المجتمعات النباتية والحيوانية غير مقيدة بنظام مؤسسي أو أخلاقي، في حين تعتمد المدينة على مبدأ التعايش والمنافسة بين أفراد المجتمع بمختلف الأيديولوجيات والثقافات، ضمن إطار قانوني هو وسيلة للتطور والتنمية.

تحقق المدينة البيئة التي تشجع على تبادل الخبرات والتعاون التنافسي بين الأفراد لتحقيق الإنتاج الذي ينعكس إيجابا على المجتمع. إن هذا المجتمع يتضمن كيانات ذات مصالح متنوعة، ولكنها مرتبطة في كيان حيوي قابل للتطور في ظل وجود الإطار القانوني الفعّال.

يتفاعل السكان داخل المدينة بمنطق المصالح المتبادلة، وعليه فمن المرجح أن يتطور المجتمع الحضري وفقا لمبدأ «شبكة الحياة».

إن شبكة الحياة Web of Life كما وصفها عالم الاجتماع الحضري Robert Park بمقالة بعنوان «علم البيئة البشرية»، المنشور في المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع، هي «سلسلة معقدة ومتشابكة، فكل خيط من الحياة يتشابك مع الآخر، فمثلما يوجد ارتباط بين الأعضاء في الجسم، هناك ارتباط بين الكائنات الحية في عالم الحياة».

إن الخلل في هذه السلسلة المعقدة يؤدي إلى الضغط على الموارد، وبالتالي هجرة الفئات الاجتماعية غير القادرة على المنافسة.

يرى Robert Park في نظريته أن مجتمع المدينة يتأثر بقوى عديدة أهمها المنافسة والصراع والتكافل، هذا النظام في العلاقات بين أفراد مجتمع المدينة يشارك في عملية التغيير والتنمية. تنجح بعض الفئات الاجتماعية في التفاعل مع اقتصاد المدينة، وتصل فئات أخرى إلى مراحل متقدمة توصف بالهيمنة، في حين تفشل الفئات المستضعفة لتخرج من إطار هذه المنافسة.

وفي مجتمع النبات يحدث مثل هذا الصراع من أجل الضوء، فتهيمن النباتات الأطول لتحصل على الضوء من فوق رؤوس الآخرين! هناك ارتباط بين المجتمع والحياة، ومن الصعب على الجماعات البشرية أن تحقق الحياة والرفاهية دون مبدأ المشاركة والمنافسة ككيان اجتماعي.

إن التباين الاجتماعي في بيئة المدينة يزيد من الحراك ويساهم في تعزيز مبدأ المنافسة بين الأفراد لتحسين الدخل والارتقاء بمستوى المعيشة.

تؤدي المنافسة على الأراضي داخل المدن إلى تقسيم الحيز الحضري إلى مناطق مرغوبة وأخرى غير مرغوبة، فالمناطق المرغوبة يزيد سعرها لتصبح حكرا للأغنياء، في حين تعيش الفئات المحرومة في الأراضي الهامشية أو العشوائيات.

وفي حال غياب الإطار الأخلاقي في التخطيط يمكن أن يهاجر فقراء المدينة لعدم تمكنهم من الحصول على سكن رخيص، أو أن يتحولوا إلى أدوات لخدمة أصحاب رؤوس الأموال لكي يزدادوا غنى.

يمتاز المجتمع الحضري بنظام مؤسسي يضبط عملية المنافسة ضمن إطار أخلاقي، فالسياسات الحضرية تكرس لخدمة جميع الفئات الاجتماعية لتوفر بدائل اقتصادية يمكنها استيعاب الفئات المستضعفة ضمن إطار المدينة.

إن تخطيط وتصميم المدينة يفترض أن يعكس التنوع الاجتماعي والمساواة من خلال تعظيم فرص الوصول للخدمات والمرافق والإسكان، بما يتلاءم مع احتياجات كافة الفئات مثل كبار السن والمعاقين والأطفال، وضمن إطار حدود القدرة الاقتصادية للأسر. ويكون ذلك بتفعيل دور المشاركة المجتمعية في صناعة القرار التنموي والتخطيط المبني على استقراء وتلمس احتياجات المجتمع.

أخيرا، المدن في حالة تطور ونمو، وتحتاج إلى مراجعة وتقييم لكي تستمر شبكة الحياة!

waleed_zm@