X
أحمد الهلالي

تقاطعت المصالح فابتلشنا!

الثلاثاء - 05 يناير 2021

Tue - 05 Jan 2021

كاد النهار أن ينتصف ونحن ننتظر الراكب الرابع، نزلت أتمشى خارج السيارة، وفجأة تعالت الأصوات بين السائق وراكب جديد، فعدت مسرعا، وكانت المفاجأة أنه الشاب السبعيني (مصلح)، وكأنه اقتنص لحظة نزولي ليتفاوض مع السائق على المقعد الأمامي، فعدت مسرعا وجلست مكاني في الأمام، وكنت أحاول ألا أنظر إليه، فأبى أن يتنازل عن شرط الجلوس مكاني.

التفت إليّ الكدّاد (السائق) التفاتة المتعشم بأن أتنحى عن مكاني ومكانتي وأجلس في الخلف فرفضت، فاقترب منه راكب من الخلف وهمس في أذنه، فقال لي السائق: عد إلى الخلف، ولك خصم خاص، فاهتبل مصلح الحس المادي عند السائق، وقال: أنا أدفع لك ضعف ما يدفعه، فنظر إليّ السائق وقال: أرجوك، عد إلى الخلف، تأخرنا، يجب أن نتحرك، وهذا رجل مسن لا يستطيع الجلوس في الخلف.







شعرت بأن المصالح تتقاطع بشكل رهيب، مصلحتي أن أجلس في الأمام، ومصلحة السائق في الزيادة التي أغراه بها مصلح ليحقق مصلحته، ومصلحة الجماعة أن نتحرك ولا نهدر مزيدا من الوقت، فجذبتني عاطفة مصلحة الجماعة وهممت أن أغلّبها، لكن الطريق من الطائف إلى الرياض طويلة جدا، وحين التفتُّ إلى الخلف وتأملت الراكبين، كل منهما يجلس إلى جوار الباب، وسأفقد استقلالي وأكون بينهما، وأتلقى كمَّا كبيرا من المضايقات، فلماذا لا يقدر مصلح مصلحة الجماعة وهو الذي جاء متأخرا أصلا؟ فتراجعت وتشبثت بموقفي.

ضغط مصلح على السائق، حين رفع حقيبته عن الأرض بتأنٍ، يوحي بعزمه على المغادرة، وقال: يبدو أنك ستبقى النهار بطوله هنا، يا صديقي افرض شخصيتك، ركاب الدرجة الأولى يدفعون ضعف ما يدفعه ركاب الدرجة السياحية، وأنا أعطيتك الضعف وأزيدك عليه خمسين ريالا، فهيا تحرك.

فأغلق السائق الزجاج من جهة مصلح ليوهمني أننا فريق واحد، وقال: أرجوك، دعنا نتحرك، هذا الرجل عقله خفيف، ونحن بحاجة إليه، وهو صادق فيما قال عن ركاب الدرجة الأولى.

زادني موقف مصلح وحديث السائق تشبثا بموقفي، فقلت له: يجب أن تكون لك مبادئك الراسخة، فكيف تسمح لهذا الرجل بأن يتلاعب بها ويحركها بمؤشر الأجرة، أنا ركبت أولا، ولم تشترط عليّ زيادة في الأجر.. فقاطعني راكب من الخلف، يا أخي أنت عنيد، وعنادك هذا أخرنا كثيرا. فأجبته: لست عنيدا، لكن هذا الرجل يريد أن يأخذ مكاني بالقوة، فهل أتنازل عن حقي بهذه السهولة؟

قال الراكب الآخر: لا تسمه تنازلا، بل غلّب المصلحة العامة لنا جميعا، وقدر شيباته! فقال السائق: نعم، قدر سن هذا الرجل، فقلت: لو أراد أن أقدر شيبه لما لعب هذه الألاعيب السخيفة، وهو أيضا نحيل يستطيع أن يركب بينكما بسهولة، ولا يضايقكما، ثم قلت (بمكر): لقد نظر إليكما وأصر على موقفه، ربما أنتما سبب نفوره من الركوب في الخلف، فصمتا، وفتح السائق الزجاج يحاول إقناع مصلح بالركوب، ومصلح يشير بإصبعه نحوي، فقطع صوت دورية المرور كل حديث (قاااق)، وكاد السائق أن يهرب، لولا أن الشرطي نزل إلينا، فأخذ أوراقه وأنزلنا جميعا من السيارة، وبقينا على الرصيف نتلاوم، فاحكموا بيننا بالحق أيها القارئون!