X
ياسر عمر سندي

الأمهات وتحدي المنصات

الأربعاء - 30 ديسمبر 2020

Wed - 30 Dec 2020

بادئ ذي بدء، لا يمكن لأحد أن ينكر الدور البارز للأمهات في تربية الأبناء، وهذا يمثل حجر الزاوية في بناء الأسرة والمجتمع، وكما قال الشاعر حافظ إبراهيم «الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق»، وأقل ما تستحقه الأمهات هو الشكر والعرفان على ما يبذلنه من جهود تنعكس من خلال الحرص والرعاية، أبرزها الاهتمام بتعليم الأبناء الذي يعد من أولويات التربية، وكما هو معروف فإن دور الآباء يتكامل معهن تربويا في توفير المأوى والبحث عن الرزق والخروج المتكرر لتأمين متطلبات الأسرة ماديا، والذي قد يتسبب في التدخل السريع من الأم لسد هذه الفجوة معنويا، التي إن اختلت فإن البناء التربوي سيصيبه كثير من التشققات المؤدية إلى الانهيار.

جائحة كوفيد 19 فيروس كورونا لا شك أن لها دورا مباشرا في عدم اكتمال العملية التعليمية، وسبب فقدان التواصل والاتصال المباشر، خاصة للمراحل الابتدائية التي تتطلب الحضور التفاعلي في الاتجاهين بين الطالب والمعلم، مما تسبب في ظهور سلوكيات تربوية سلبية، مثل الاتكالية وضعف الهمة والكسل وعدم الاعتماد على الذات، والأم لأنها المسؤول الأول عن إعداد الشعوب طيبة الأعراق هي من يواجه هذا التحدي الكبير.

في سيكولوجية التربية نرى الأم بطبعها تبني تعزيز المشاعر، ووباء كورونا يضعف ذلك التعزيز بالإحباط، حتى ظهر الصراع بين نجاح الأبناء أو فشلهم، فالأم كما هو معلوم يعتريها دافعها الغريزي في الاهتمام والرعاية والحماية، خاصة مسألة التعلم والتعليم التي تعد من التحديات المنهكة في هذه الفترة، ويزيد ذلك أيضا الإصرار والاستمرار في الحماية كلما اقترن ذلك باللامبالاة لدى الأبناء، وبداية مرحلة المراهقة التي تتزامن مع كثرة النفور والتضجر وعدم الالتزام.

ومثلث العملية التعليمية أعتبره خارجا عن السيطرة حاليا، فالمدرسة بعيدة عن الرقابة والالتزام المنهجي التعليمي بالحضور، والأسرة تجاهد في تقليص الفجوة بالضبط الأخلاقي بالتربية، والمجتمع في حالة مد وجزر للسلوكيات المكتسبة، وهذه الثلاثية تهدف للتقويم الكمي والتقييم النوعي للطلاب.

هذا الصراع الذي أتحدث عنه أفرز سلوكيات «الابتعاد والاعتماد»، أي إن الطلاب وتعاملهم مع المنصات التعليمية المختلفة عن بعد للمدارس الحكومية وتحديدا الخاصة خير شاهد على ذلك، وما يحدث قبل وأثناء فترات الاختبارات والتقييمات العامة للطلاب أننا نرى ابتعاد الطلاب عن الالتزام حضورهم على المنصات، ويعتمدون كليا على من يقوم بأداء واجباتهم المدرسية من استحضار واستذكار واسترجاع وحل للمواد النظرية والتطبيقية، وبسبب العاطفة الجياشة وسلوك الحماية الزائدة تتصدر الأم هذا الموقف حين تقوم بتبديل الأدوار مع أبنائها، إلى حد أنها تصبح الطالب نفسه في تأدية الامتحانات في كثير من المواد، خاصة للمراحل الأولية للابتدائية.

في علم نفس، الطفولة وتحديدا ما قبل المرحلة الحرجة، تؤكد الدراسات أن الطفل يحتاج إلى الأسلوب المنهجي في التجريب بالمحاولة والخطأ، وقد يلجأ الأطفال إلى الاعتماد على والديهم كليا إذا لم يعلموهم كيف يتحملون المسؤولية بالتوجيه السلوكي المستمر بالاعتماد الذاتي، الذي يبدأ من سن الاستقبال للأفكار أي من بداية العامين، إذ تبدأ الأم بتوجيه الطفل أولا بجلب كأس الماء واختيار الملابس واستعمال ملعقة الأكل بطريقة فردية، وكيفية دخول الحمام بدونها، وبعد ذلك تتم المراقبة القبلية التي تسبق الموقف بالملاحظة الاستكشافية لنقاط القوة والضعف لدى الطفل، ومن ثم تبدأ الملاحظة البعدية، أي بتقوية جانب الضعف وتعزيز القوة، إلى أن يكبر الطفل وينشأ على كيفية تدبير الذات وتحقيق الاكتفاء لها وبها.

ونحن نودع الاختبارات ونستقبل عامنا الميلادي الجديد 2021، يجب ألا تحدث المصادرة لحقوق الأطفال في التنشئة بالإفراط في الحماية الوالدية من باب الحب الوهمي الذي يدمر الشغف لكسب الخبرة والاستعلاء بالثقة لتحمل المسؤولية، ودعم الاستقلالية لتنمية معياري التشويق والتحدي اللذين يصقلان الأطفال ويدعمانهم في مراحلهم المستقبلية، حتى أصبح التندر في الأوساط المجتمعية بأن شهادات التفوق على المنصات من حق الأمهات.

همسة والدية: لا يوجد في اختبارات الدنيا منصات أيتها الأمهات.

Yos123Omar@