ما زال ذلك الطفل الغض يستمع إلى والديه وهما يلقنانه (إن شاء الله لما تكبر تسير مهندس ولّا طبيب مشهور، أو رجل أعمال عندك فلوس كتير...الخ) فتجدنا لا شعوريا نغرز في أولادنا القناعة بأن المال والشهرة والسلطة هي مقياس النجاح في الحياة.
متسببين لأنفسنا و مجتمعاتنا ومؤسساتنا بحالة من الفصام، بسبب فصل العمل الدنيوي عن العاقبة الأخروية.
فنجد ذلك الموظف البنكي، يبدع في التعامل مع العملاء، ثم يقنعهم بأخذ قرض لا يحتاجونه، بحجة أنه يحتاج أن يحقق مستهدفه.
وذلك الطبيب الذي سهر الليالي يتعلم ويدرس ليخفف آلام البشر، يتفرغ فجأة لنفخ الشفاه، و تغيير خلقة الله، بحجة أنه يخفف الآثار النفسية الجسيمة عن صاحبة أنف لا يشبه الفنانة الفلانية.
ونرى ذلك التاجر الطموح يذهب إلى الصين، فيشتري حلويات مصنعة من نفايات العالم ليبيعها لأطفالنا، بحجة أنه يوفر لهم بضاعة رخيصة.
ونرى واحدة من قنواتنا التي تدعي المبادئ تعرض برنامج تلفزيون الواقع لإحدى أكثر الشخصيات النسائية حقارة وابتذالا، بحجة رغبتهم في إرضاء الجمهور.
أما وكالاتنا الدعائية فنجدها تروج لشركات ضخمة وتسوق لمنتجات عالمية، متغاضين عن أن ضخامتها وعالميتها لا تغفر لها فساد ممارساتها أو سُمية منتجاتها، و الحجة أننا نرفع مستوى الخدمات والمنتجات في العالم الثالث.
إن الإنسانية كلها اليوم تدفع ثمن سيطرة الفكر المادي، فيما نراه من انهيارات اقتصادية، وأزمات سياسية، وانهيار اجتماعي و انحدار أخلاقي.
و لكي ننقذ أنفسنا نحتاج إلى أن نتوقف عن اللهاث والجري خلف الدنيا قليلا، ونسأل أنفسنا ذلك السؤال الأزلي (لماذا خلقنا؟) فإن كانت إجابتنا هي تلك التي تعلمناها ولقُناها وحفظناها (لنعبد الله)، فقد حان الوقت لنصدق بقلوبنا، ونعي بعقولنا، ونفعل بجوارحنا هذه الحقيقة.
بأن ندرك حقيقة أن أدوارنا، وأعمالنا، ونشاطاتنا في الدنيا ما هي إلا وسائل لتفعيل رسالة إعمارنا للأرض.
وأن الذي يقيم أداءنا عليها هو رب عملنا الحقيقي، رب كل العباد.
نحن نعمل عند الله
هبة قاضي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
