X
محمد الأحمدي

تجاوَز عتبة الإحباط واقفِز على حاجز اليأس

الثلاثاء - 22 ديسمبر 2020

Tue - 22 Dec 2020

في مجال الدراسات العليا تتوالى العقبات والصعوبات واحدة تلو أخرى، متباينة في الزمن الذي تتطلبه لتزول. الحياة هكذا تشتد ثم تتبدل، فسرعان ما يتبدل وهج الصيف بجمال الخريف، فتنعم العين بألوان الأشجار المختلفة التي ترسم لوحة من الجمال فتعانق شموخ السماء. وما هي إلا فترة قصيرة وتتساقط تلك الأوراق على الرصيف، فتداعبها الأقدام منذرة بنهاية الدورة الحياتية للورقة، وفي الوقت نفسه تبدأ دورة أخرى في أعلى الغصن المتجرد من أوراقه، فالتفاعلات الخفية تتزايد بعيدا عن الأنظار حتى تنتج ثمرة يانعة في الربيع المقبل.

في هذه الأثناء، يأتي الشتاء فتسكن الحياة، وتغيب الخضرة الناظرة، والزهور الجميلة، والسماء الصافية، والنسمة الهادئة، ويحل الظلام الدامس، فيقصر النهار، ويطول الليل دون نجوم زاهية، تشتد وطأته فتعصف الريح، وتئن النافذة، فيتسلل معها خيط من الألم واليأس لروح الحالم، وفؤاد المضنى.







وقد تزامنت كتابة هذا المقال مع دورة الأرض التي تتزامن مع بداية العام الدراسي، الذي يبدأ بنهاية الخريف ثم تبدأ الحياة الحقيقية لتعلم الغوص في أعماق الأعمال بفصل الشتاء. تتجاوز العتبة حينما تدخل إلى جامعتك، متأملا في الطائر الصغير الذي يفسح لك المجال لتعبر من ممر ضيق اكتسى بأوراق الخريف، أو بذرات الأتربة، أو بنفحات الجليد الأبيض إن كنت محظوظا، أو بالصقيع الأسود الذي قد ينقلب خطرا على قدميك فتتعثر دون رؤيته. ولكن حتما ستعاود السير متلمسا أرضا مكسوة بالعشب، أو التراب حتى يساعدك في العبور. إنها شبيهة بعتبة الإحباط التي تتسلل لروحك، أو يسوقها لك محبط، ستقفز بسرعة، تتلمس الأمل، وتنظر للمعبر، وتنسى ما أصاب قدميك، وربما كنت ذكيا فتلمس الممر السليم قبل التعثر بوحله.

على عتبة الباب الرئيس قد تجد من يريد وصف نهاية الطريق لك، ويغرقك بالمنعطفات التي تحجب الرؤية على قائد المركبة غير الحاذق، ولكن قواعد الطريق واضحة لكل نبيه يعتمد على قراءتها، والتعامل مع علامات المرور التحذيرية، ويتجاهل ما يضعه المخالفون من عبارات تشويهية عليها، أو يتعلم بذاته من آثار المكابح التي ترسم خطوطا سوداء على البساط الأسود، دون التوقف والتفسير والتحليل لماذا حدث هذا وذاك، فالحدث مضى وانقضى، وقد لا يستحق سوى الجد والمثابرة في اتباع سبل السلامة والنجاة.

لكن إن جلس بجوارك ذو تجربة مريرة في ذلك المنعطف فسيحاول أن يلقي همه إليك، ويرمي ما يحمله من ألم إلى جعبتك، وربما يريد أن يستعرض مهارته في النجاة. هنا الذكاء في أمرين، إما إعادة الألم إليه بشكل مفاجئ حتى يستذكر تجربته ليعيشها مع ذاته، أو أن تتجاوز الأمر بأنه حالة شخصية حدثت وفق ظروفها وها هو صاحبها اليوم يتحدث أمامك عن الماضي.

فتجاوز العتبة لتتسلق الشجرة بنفسك وتجني الثمرة بجهدك دون تحذير من كمية الثمار غير الناضجة في أعلاها، فأنت قادر على التمييز والاختيار لما يناسبك ويسد حاجتك.

قد يداعبك اليأس مرارا في رحلة الدراسات العليا، وقد يتذوق طعم القهوة التي عشقها الباحثون والكتاب، فكتبوا فيها الأشعار، وتصوروا معها، ونظموا بحوثهم على رائحتها.

أيا ترى إذا اشتدت بالسواد، عظم الأمر؟! واقترب على نهايته؟! حاولت أنْ أتعلم تلك الحكاية حتى أكتشف السر الذي جعل العلاقة حميمة بينهما، والمهر مستمرا، وتسابق الحواس عليها، فالذوق والشم والضم والشوق والمرافقة دائمة بينهما، ولكن سرعان ما أخفقت في أول مهمة لاكتشاف السر، فاستبدلت بالكوب الساخن واللون الغامق والسر الغامض، قارورة شفافة تحمل الماء ذا المذاق العذب واللون الصافي واليراع المستساغ.

هجرت مقهى العشاق، وابتعدت عن ضجيج مكائن صنع معشوقة الباحثين والكُتاب، وبهذا يترطب جفاء اليأس، ويزرع الأمل، أليس الماء سر الحياة! «وجعلنا من الماء كل شيء حي»، بلى! فلنأخذ من الماء العذوبة والسهولة في المركّبات، فما هو إلا ثلاثة مركبّات تشابه اثنان منها (H2O). سيتبدل اليأس وتنطفئ شرارته، وتتحول إلى أمل يقترب كلما اقترب النهر من مصبه، صامد بخواصه رغم الشوائب التي اعترضت طريقه.

الحكمة من المقال أن تعيش مرحلتك الدراسية بسعادة وشغف. هل يغضب النحل لو أنتج الذباب عسلا، كلا، لكن الذباب لن ينتج العسلا.

alahmadim2010@