X
خليل الشريف

مرحبا بالأعداء

الاحد - 06 ديسمبر 2020

Sun - 06 Dec 2020

قد يغلب الظن عند كثير من الناس أن وجود الأعداء في حياة الإنسان شر وبلية، لما لطبيعة الأعداء من رغبة في تصدر الأخطاء والتشهير بها. لقد تعودنا على كره الأعداء وتجنب الوقوع في وسط مجموعة من المعادين لنا مهما كلفنا الأمر من تنازلات ومداهنات. والحقيقة التي يراها كثير من الحكماء عبر التاريخ أن العدو قد يكون هبة عظيمة في حياة الإنسان، فالشخص الذي يحيط به الأصدقاء والمحبون لن يفكر يوما ما في تجنب الوقوع في الأخطاء، لأن من حوله سيدارون أخطاءه ويعالجونها، أو يخفونها عنه. بمعنى آخر سيكون مثل هذا الشخص في أضعف حالات الأداء، ولن يستطيع أن يتطور لعدم وجود بيئة تراقبه وتدقق عليه وتستفز مشاعره لمزيد من الحذر والعمل الجاد.

إن الأعداء أحد أهم الأسباب حتى يشعر الإنسان بالخطر، ومثل هذا الشعور كفيل بأن يجعله يجود أداءه ويسعى للإنجاز بأقصى طاقاته. وقد ظهرت أساليب ونظريات في الإدارة تستند إلى هذه الفكرة في إدارة فرق العمل، مثل نظرية الإدارة بالصراع والإدارة بالأزمات، التي تعمل على خلق بيئة عمل شديدة التنافسية من أجل تحسين الإنتاج وشحذ الدافعية لحدودها القصوى.







ولن يستطيع الإنسان تجنب العداوات مهما بلغ من حسن الخلق، بل إن وجود الأعداء في حياة الإنسان - بنسبة معقولة - دليل على النجاح، فهم ضريبة حتمية حين يحقق الإنسان الإنجازات، ووجودهم مهم لكل متفوق، وكما يقال: قد ينافسك الأعداء فتسعى للصدارة، وقد يشيرون إلى بعض عيوبك فتصلحها، وقد يدلونك دون شعور إلى بعض الثغرات فتسدها، وفي هذا نتذكر قول الشافعي الذي شرح هذه المعاني في أبياته الرائعة:

عداي لهم فضل علي ومنة

فلا أعدم الله عني الأعاديا

هموا بحثوا عن زلتي فاجتنبتها

وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا

ويظهر معدن الإنسان من خلال نوعية أعدائه وطريقة تعامله معهم. لقد عرفنا عظمة الأنبياء والرسل والمصلحين والقادة الاجتماعيين المؤثرين من خلال أعدائهم، فلولا أعداؤهم ما تبينت لنا قوتهم وشجاعتهم وصبرهم وتسامحهم ورشدهم وحكمتهم.

إن الأعداء هم مصنع النفوس الكبيرة، بل إن الأمم ذاتها لا تتقدم ولا تتطور إلا من خلال عداوة دول أخرى لها، فكم من دولة تهب من رقادها مع ظهور خطر الأعداء، فتضاعف صناعتها، وتنمي اقتصادها، وتعتمد على زراعتها، وتجهز جيشوها ويسطر شعبها ملاحم الوفاء والفداء من أجل حماية حدودها.

في الختام، يشير القرآن الكريم لهذه الحقيقة الجوهرية التي تجعل العداوات وإن كانت مكروهة على النفس، ثقيلة عن التقبل، إلا أنه إثرها يسود الأمن بين الناس ويحسب كل فرد خطواته ويحذر من مراقبة أعدائه، فتحمى الأرض من طغيان الفساد والظلم. قال تعالى "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين".

الأكثر قراءة