أكاد أجزم بأننا في زمن مختلف تماماً بل وغريب كل الغرابة، إنه لمن المحزن حقاً أن يأتيك الغدر والقطيعة من أقرب الناس إليك، فكيف هو الحال إذا كان الغادر بك والجاحد لمعاناتك وسهرك هو ابنك وفلذة كبدك، ولقد انعقد لساني ووقفت للحظات لا أستطيع الكلام عندما قرأت خبر الابن الذي ترك أمه رهينة لدى أحد الفنادق بمدينة شرورة وفرّ هارباً بزوجته في تجرد تام من كل القيم الإنسانية والبر بالوالدين.
وكأني بالأم وقد تغشاها الفرح عندما أخبرها ابنها بأنه سيأخذها مع زوجته إلى الفندق، فهي لم تكن تعرف الفنادق من قبل، ولم تفارق بيتها إلا إلى بيوت جاراتها وأقاربها، لقد خالج قلبها السرور وظهرت على تجاعيد وجهها البهجة، ولم تكن تعلم أن هذه الدعوة لم تكن إلا حيلة واستدراجا من قبل ابنها العاق ليتركها وحيدة في الفندق تراقب وجوه الحاضرين في انتظار أن ترى وجه ابنها، وتسأل الذاهبين والمقبلين في لهفة وشوق هل رأوا ابنها، وتسأل المشرفين والموظفين عن ابنها وتنهمك في وصف ملامحه، وهي التي تعرفها جيدا، فلكم بكت ودمعت عينها كلما انقبض وجه صغيرها ولكم ضحكت وفرحت كلما تبسم وليدها.
كانت قلقلة مضطربة فلقد صور لها حنان الأم أن مكروها قد أصاب ابنها أو أنه قد أضاع الطريق إلى الفندق، كانت تخبئ رقم جوال ابنها إلى جوار صدرها لينبض مع كل نبضة يخفق بها قلبها، وسرعان ما تذكرت ذلك الرقم الملاصق لقلبها حيث هو حب ولدها، فأخرجته بيد مرتعشة وناولته إلى أقرب شخص رأته في الفندق وطلبت منه أن يطلب هذا الرقم ولكن يا للحسرة المميتة لقد كان جوال ابنها مغلقاً، لقد مات إذاً هكذا قالت وهي تنتحب، ولقد صدقت في ذلك، فابنها قد مات قلبه وماتت إنسانيته وماتت كل معاني المحبة في كل ذرة من ذرات كيانه، وقرر أن يهرب بعيداً عنها، ويا ليته لم يفعل لقد هرب من رياض الجنة وفارق ظلال المحبة والحنان، وكأنه لم يسمع بأن الجنة تحت أقدام الأمهات.
إنه العقوق المفضي إلى القسوة المطلقة، تلك التي تجعل الإنسان جماداً صلداً ومسخاً شيطانياً ممقوتاً، لقد جرح القلب الذي طالما احتواه بحبه واحتضنه بين أوردته، يتألم لألمه ويحن لفقده، فكيف بقلب هذه الأم، وقد عرفت أن ابنها قد هرب وتركها، إني لأكاد أستمع إلى نحيبه وأنصت إلى صوت حنينه وتصدع أوردة حبه.
لك الله أيها القلب الذي لا يعرف الكره أبداً.
لك الله أيتها الأم المفجوعة بعقوق ولدها ونكرانه وجحوده.
لك الله أيها البر لقد جرحك هذا العاق في مقتل لا يمكن أن يبرأ أبداً ولا أن يندمل أبداً.