X

وليد الزامل

المدن السعودية وكنوز التراث المدفون!

الخميس - 22 أكتوبر 2020

Thu - 22 Oct 2020

قبل نحو 24 عاما، في أول يوم لي في كلية العمارة والتخطيط في جامعة الملك سعود، حضرت محاضرة للأستاذ فرحات طاشقندي، عرض فيها مجموعة من الصور للبيوت الطينية، كان الأستاذ يُقلب في صور الأحياء التراثية والبيوت الطينية بدهشة وإعجاب، مستخدما جهاز عرض حديثا في ذلك الوقت.

كان بعض الطلاب يتهامسون ويتبادلون الضحكات مع كل صورة يعرضها ولسان حالهم يقول:

هل جئنا هنا لكي نتعلم فن البناء بالطين ومشاهدة البيوت التقليدية؟ معظمنا كان ينتظر بشغف مشاهدة المباني ذات الواجهات الزجاجية، والأبراج السكنية شاهقة الارتفاع، والأحياء السكنية النموذجية!

خرجت من المحاضرة وأنا مشوش التفكير بين ماض يحمل دلالات ثقافية عميقة وحاضر إسمنتي مصمت. لقد كانت الصورة الذهنية لدى كثير من الطلاب كما القائمين على تطوير المدن تتمثل أن العمران يفترض أن يتجه نحو الحداثة، يتقدم إلى الأمام لا أن يعود للخلف.

باختصار كنا لا نعرف أننا نملك ثقافة أصيلة وكنوزا تراثية مدفونة!

في فترة الطفرة الاقتصادية وتحديدا عام 1969 اتجهت العديد من المدن السعودية للنمو العمراني السريع لتلبية الطلب على الإسكان والخدمات، والمرافق.

كانت نسبة التحضر في ذلك الوقت تقارب 46% لكنها اتخذت منحى تصاعديا لتصل إلى 76% في عام 1990. واستجابة لذلك طُورت العديد من الأحياء السكنية وامتد الزحف العمراني المتسارع حتى أطراف المدن. وتدهورت الأحياء التقليدية وأواسط المدن القديمة، بل أصبحت مهددة بالتداعي نتيجة للتأثير السلبي لعصر التحضر والحداثة وما صاحبه من تغيرات ساهمت في تكريس التوسع العمراني على حساب مبدأ الحفاظ العمراني.

لقد جاء هذا التحول مقرونا بتصور لدى كثيرين أن الحداثة تقتضي التخلص من موروثات الماضي وبناء حاضر إسمنتي، وعليه فقد تسارعت خطى التجديد والبناء الخرساني على حساب الأحياء التقليدية، والمعالم التراثية، والأسوار التاريخية.

أصبح نمط الفيلا السكنية هو الشائع بديلا للبيوت الطينية، في حين توارت الخيام بعيدا لتتخذ من الصحراء رفيقا، واستُبدلت البيئات السكنية التقليدية بأحياء سكنية ذات أنماط تخطيط شبكية تتعامد فيها الشوارع الإسفلتية، وتسير في طرقاتها المركبات السريعة، وتعلوا على جانبيها المباني التجارية.

قالوا لنا فيما بعد إنها أحياء على الطراز الحديث! في الحقيقة، هذه الأحياء جاءت بأنماط مستورده ومكررة لا تعكس الاحتياج الفعلي للمجتمع، ولا تتماشى مع التنوع الثقافي، إنها لا تعبر عن روح المدينة وثقافة المجتمع.

كنا نتهامس في ذلك الوقت حول تلك الصور التراثية البهية التي عرضها الأستاذ، غير مدركين لأبعادها الثقافية. واليوم أصبحنا ننظر بدهشة إلى الأحياء التقليدية والمواقع التراثية، لنقول إنها بنيت لتعكس احتياجات المجتمع، ونتساءل حتى هذا اليوم كيف استطاع هؤلاء السكان تشكيل بيئتهم العمرانية لتعكس القيمة الثقافية الفريدة!

نعيش اليوم في الفلل السكنية الحديثة والشوق والحنين يراودنا إلى الماضي، أصبحنا نزين مساكننا بخيمة أو بيت شعر نقضي فيه جُل وقتنا، لعلها تكون سُلْوانا لنا وراحة لأفئدتنا، لا زلنا كما كُنا نتوارث كرم الضيافة من الآباء والأجداد ونستقبل ضيوفنا بالتمر والقهوة العربية الأصيلة..

هكذا نحن مجتمع يحن إلى تراثه العريق وماضيه التليد، ونتغنى بتاريخنا المجيد، وتلك هي مدينتنا الجميلة وقد بانت وجنتاها لتكشف كنوزا من التراث المدفون، فمن يعيدها لمدينتي؟

waleed_zm@

أضف تعليقاً

Add Comment