X

أمين شحود

معلمون ولكن

السبت - 10 أكتوبر 2020

Sat - 10 Oct 2020

أوقف درسه فجأة والتفت إلى طالب قد وضع يده على خده متكئا بمرفقه على الطاولة، وطلب منه أن يبعدها.. توقعت أن المعلم اعتبر ذلك سوء أدب أو قلة احترام من الطالب، لكنه سرعان ما برر طلبه بأن هذه الوضعية تسبب ضعفا للبصر!

ما كتبته أعلاه موقف كنت شاهد عيان عليه أثناء دراستي في الصف الثالث الابتدائي، وتذكرته خلال جلسة جمعتني ببعض الآباء لما تكلموا عن دور المعلم، وكيف أن الطفل يصدق المعلومة من أستاذه أكثر من والديه.

تصوروا أنه ومنذ ذلك الحين كلما وضعت يدي على خدي أتذكر قول الأستاذ فأبعدها تلقائيا رغم أن معلومته لا تمت للعلم و لا للطب بصِلة!

فإذا كان الأستاذ هداه الله حرمني لا إراديا من كثير من لحظات التأمل والتفكر واسترجاع الذكريات والنظر إلى الحبيب، تلك اللحظات التي ترتبط أحيانا بوضع اليد على الخد، فكم طالب حرم الخير بسبب معلومات مغلوطة قالها لهم أساتذتهم - جهلا أو لا مبالاة، ناهيكم عن بعض المعلومات التي قد تضر الطالب أو تحمل أفكارا متطرفة أو منحلة أو تخالف المنطق والعقل السليم، لأن أغلب الطلاب لا يسعون للتأكد من صحة المعلومة، بالتالي تترسخ تلك المعلومات في العقل اللا واعي لديهم، حتى وإن كبروا وأدركوا خطأ المعلومة، لأن ظلمات الجهل المتراكمة لا يبددها فتيل النور.

وبعض المعلمين جزاهم الله خيرا يفتقدون لمبدأ الأولويات، فتجدهم يحذرون من سماع الأغاني والتدخين وحلق اللحية (وكأنها الموبقات)، وينسون أن يحذروا من الكذب وعقوق الوالدين وتضييع الفروض والتعدي على حقوق العباد، حتى صارت أسئلة الطلاب لأساتذتهم من قبيل: هل يجوز أن أشتري لوالدي الدخان؟ أمي تشاهد المسلسلات فكيف أتصرف معها؟!

وبعضهم كان يتساهل بإلقاء بعض المعلومات المعقدة التي لا يحتاجها الطالب، أو يوجهه إلى مسار فكري واجتماعي وثقافي ورياضي معين بحسب قناعات المعلم، ولذلك تولدت أيضا أسئلة مثل: ما حكم الغش في مادة اللغة الإنجليزية (باعتبارها لغة الكفار!) أو ما حكم دراسة مادة الرسم! (حتى وإن كانت مثل تلك الأسئلة انقرضت مع الوقت لكنها آنذاك كانت متداولة كثيرا، ولا يستبعد أن تتولد أسئلة وشكوك مشابهة.

كما أن بعض المعلمين قد يجر طلابه إلى تحصيل المعلومات التافهة بحجة الترفيه عنهم أو إخراجهم من الطريقة التقليدية، فنجده مثلا يتحدث معهم عن أفلام لا فائدة منها أو عن أندية رياضية مما يزيد من التعصب بين الطلاب! وبعضهم عند إعطاء المعلومات لنصح أو توجيه يتبع أسلوب الترهيب ويبتعد عن الترغيب بدلا من الموازنة بينهما. يخبر الطلاب أن الخيانة توجب النار وينسى أن يخبرهم أن الأمانة تدخله الجنة. يحدثهم عن الحروب والأمراض والكوارث ولا يحدثهم عن الأمن والأمان والسلام،

يتكلم عن تبديد المشاعر السلبية ولا يتكلم عن صناعة المشاعر الإيجابية!

أيها المعلمون الأفاضل:

الطلاب يقتدون بكم وبأفعالكم وتتشرب عقولهم من أقوالكم، حتى في عصر الانفتاح والتقنية كنتم ولا زلتم الموجه الأول والقدوة الأهم لهم، مهما تنوعت المصادر وتعددت المؤثرات.

حسنا، ماذا عن إيجابيات المعلمين؟ لماذا لم تذكرها يا أمين؟

أقول: لأن مقالة واحدة لا تكفي لتبيان فضائلهم وكريم أخلاقهم وجمال مواقفهم ولطائف ذكرياتهم.

ووددت لو تجمعني بهم الأقدار فأقبل رؤوسهم وأنهل من فيض الامتنان وجزيل الشكر والعرفان.

يكفي أن كثيرا منهم كان لا يُرغبك في مادته فحسب، بل يجعلك تحبها مهما كانت جافة، يجعلك تحب الدروس، تحب الحصص، تحب المدرسة، تحب الحياة.

أضف تعليقاً

Add Comment