X

أحمد محمد الألمعي

القلق مرض العصر.. لماذا؟

الأربعاء - 07 أكتوبر 2020

Wed - 07 Oct 2020

خلال مسيرتي المهنية طبيبا نفسيا للأطفال والكبار، ‏التي امتدت إلى قرابة ثلاثين عاما، منها 21 عاما متدربا وأستاذ جامعة في الولايات المتحدة الأمريكية، والباقي في الإمارات والمملكة العربية السعودية؛ كان جليا لي ‏أهمية اضطرابات القلق وتأثيرها في حياة الجميع أطفالا وكبارا على حد سواء.

‏لذلك ‏تفرغت لأبحاث القلق لفتره بعد قضاء تدريبي كطبيب نفسي، واستمر اهتمامي بأمراض القلق إلى الآن، وذلك ما دعاني لتأليف كتاب عن الموضوع سيصدر قريبا إن شاء لله.

يسمى القلق مرض العصر، ‏واستحقت ‏اضطرابات القلق هذه التسمية بجدارة لأسباب عدة، أولها أنها تصيب 25% من أفراد المجتمع، وذلك حسب دراسات علمية أجريت على مدى‏ العقود الماضية. ‏

ونتج عن أبحاث أمراض القلق في الثمانينات ‏والتسعينات من القرن الماضي طرق فعالة للعلاج النفسي، منها العلاج السلوكي المعرفي للدكتور الباحث ارون بيك، واكتشاف أدوية فعالة، منها البنزوديازيبينز ومضادات القلق ‏التي تعمل على النواقل العصبية في الدماغ، مثل السيروتونين ‏والدوبامين، وتوصف الأدوية لتصحيح ذلك الخلل، وهذا تبسيط شديد لفسيولوجية هذه الأمراض، لكنه مدعوم بالأبحاث العلمية.

‏والقلق ينتشر في كل المجتمعات، وكثير من الناس مصاب بالقلق ‏ولا يدرك أنه حالة مرضية، ولا ينشد العلاج لعدم إدراكه ‏وجود علاج للحالة، وقد يستمر في المعاناة طيلة حياته. وهناك أسباب أخرى لتجنب العلاج مثل ‏الوصمة الاجتماعية ‏أو تجنب زيارة الطبيب النفسي، إضافة إلى الاعتقادات أن الأدوية النفسية تسبب الإدمان ‏وتغير الشخصية، وما إلى ذلك من الاعتقادات الخاطئة، في حين أن غالبية الأدوية المستخدمة ‏لعلاج القلق لا تسبب إدمانا وليست مصنفة أصلا كأدوية مخدرة.

وهناك اعتقادات خاطئة بأن ‏أمراض القلق قد يكون سببها السحر أو العين أو الجن، في حين أثبتت الدراسات العلمية أن أمراض القلق في غالبيتها سببها جيني وراثي، ‏والدليل على ذلك إصابة أفراد آخرين من الأسرة نفسها أو أقاربهم بأنواع مختلفة ‏من أمراض القلق، وذلك ينافي أيضا الاعتقاد ‏بأن أسباب الأمراض النفسية تعود إلى ضعف في الدين أو ضعف في الشخصية أو التربية وما إلى ذلك. ‏أعالج كثيرا من المرضى الذين يعانون من اضطرابات القلق التي تظهر عليهم بشكل أعراض جسدية شديدة، مثل خفقان القلب وشد العضلات وضيق في النفس وتعرق ودوخة وغثيان وأرق مزمن، بل وأبعد من ذلك، فكثير من المرضى المشخصين بالقولون العصبي ‏قد يكون سببها قلق أو توتر شديد في الأصل. ‏وقد يؤدي ذلك إلى الانطواء وتجنب التواصل الاجتماعي وفقدان الوظيفة وعدم الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة والاكتئاب ومضاعفات أخرى.

وهناك أنواع مختلفة ‏تندرج تحت مسمى اضطرابات القلق، ‏تشمل القلق العام والوسواس القهري واضطراب ما بعد الصدمة النفسية، وأنواع كثيرة من الرهاب ‏والخوف تشمل الرهاب الاجتماعي ‏والخوف من المرتفعات والظلام والحشرات، وأنواع أخرى كثيرة تندرج تحت هذا المسمى.

وقد يلجأ بعض المصابين باضطرابات القلق إلى أنواع مختلفة‏ من العلاج حسب ثقافتهم، فالبعض يلجأ للعلاج الشعبي، ويلجأ البعض الآخر للكحول والمخدرات، ونسبه قليلة هم الذين يجدون طريقهم للطبيب النفسي للعلاج بأنواعه.

‏لوحظ في الفترة الأخيرة ازدياد كبير في اضطرابات القلق منذ بداية جائحة الكورونا، واستمرت تحت ظروف الحجر الصحي المنزلي. وقد عانى ‏المرضى النفسيون، خاصة مرضى القلق، أثناء هذه الفترة لأن أغلبية الجهود انصبت على ‏التعامل مع مرضى فيروس كورونا المستجد. ‏وزادت شدة أعراض القلق بسبب تركيز وسائل الإعلام على مرض كورونا وازدياد أعداد المصابين، مما سبب القلق لمن لا يعانون أصلا من القلق. أنصح الجميع بأنه ليس هناك داع للمعاناة، فالعلاج متوفر وآمن وفعال.

@almaiahmad

أضف تعليقاً

Add Comment