X

فهد عبدالله

المقارنة التلقائية

الخميس - 17 سبتمبر 2020

Thu - 17 Sep 2020

في موقف لطيف مع أحد الأصدقاء الأجانب عندما التقيته بعد فترة طويلة من الزمن، وجلست أسأل عن حاله وحال الأبناء، ولعلي استطردت في طرح الأسئلة عن حاله وأوضاعه؛ وفي أثناء هذا الموقف طرح علي فكرة ستكون هي مدخل هذا المقال.

بطريقة مباشرة طرح هذا الملحظ الصريح بالنسبة له لكون العلاقة التي تجمعني به طيبة ومتينة، قال: ذهبت إلى دول وأماكن متعددة في العالم ولدي أصدقاء متعددو الجنسيات وتربطني بهم علاقات وثيقة ولكن ما وجدت مثل أصدقائي في السعودية الذين يسألون بكثرة عن حالي وحال أسرتي بشكل مطول. ولربما أنه قالها امتداحا وليس استغرابا وإن كنت في شك من ذلك.

الحديث كان عابرا وغير ملحوظ كما هو التدقيق في هذا الموقف أعلاه، أجبته بأن هذا قد يعود للأعراف والتقاليد التي نشأنا عليها من حيث السؤال عن الآخر بشكل يميل إلى التفصيل، خاصة إذا كانت هناك فترة غياب طويلة، وتابعت معه الحديث بأنه نوع من الاهتمام المبرر بحكم العلاقة الودية التي تجمعنا وليس من الفضول الخارج عن سياق الأدب.

هذه القصة الجانبية الطريفة تقودنا إلى الطبيعة الفطرية التي يتعامل بها البشر إذا استقرت عينه على شيء لم يكن ضمن المألوفات لديه، وحينها يبدأ عملية المقارنة التلقائية بين ما لديه وما لدى الآخر المختلف عنه، وهذه المقارنة التلقائية قد تكون مفيدة عند التأمل فيها بشكل واع ومحاولة رؤية ما وراء هذه الاختلافات، أو قد تمضي في طريق المحاكمات البسيطة التي قد يغلب عليها النظرة الأحادية وتقييم ما عند الآخر من خلال القناطر الشخصية التي تذكي الشيفونية التي في الأغلب تحيد بالرأي عن الصوابية.

وهذه المقارنة التلقائية قد تقود إلى ثلاثة ملامح مهمة جدا، ترفع من شأن الوعي الداخلي وتزيد من معدلات الاستفادة من الآخر، وتزيح كل تلك المعوقات النفسية في طريقة النظر والتقييم، الأول وهو أن الآخر أيا كانت أفكاره وعاداته وثقافته وديانته فإنها تشكلت من خلال بيئته التي نشأ فيها، كما أن هذا صحيح أيضا عندما نتحدث عن الأنا أو الذات، وهذا هو حجر الأساس الذي يقوم عليه مبدأ التفهم وقبول الآخر والحوار والتعارف بين الشعوب والقبائل المختلفة، وأي نظرة مغالية أو دونية تجاه الآخر، خاصة عندما تكون في جوانب الثقافة والعادات والتقاليد، في الأغلب مردها إلى خلل في وضوح هذه البنية الأساسية في الوعي الإنساني، والذي قد يقود الإنسان بطريقة لا واعية إلى الظن أنه هو المواصفة القياسية التي تحدد صحة الأشياء والمواقف من حولنا.

والثاني أنه مهما تعالت الشواهد لديك بأن - مثلا - ما عند الآخر أفضل مما لديك أو العكس ستتجه ذائقة الوعي لديك في حالة وجود حجر الأساس الذي تحدثنا عنه في الملمح الأول إلى أن لا تطلق أحكاما عامة أبدا، وسيكون الرأي مقتصرا على الجانب الذي تقيم فيه المقارنة دون التعميم والتسطيح للرأي الذي بالتأكيد سيكون نوعا من التطفيف المضر في أداء العمليات الذهنية على النظرة الإجمالية للأحداث من حولنا.

وأخيرا ستكون المقارنة التلقائية في أجمل صورها وتتويجا لجمال الوعي عندما يكون العقل مبرمجا من خلال الممارسات المتكررة بأنه أثناء عمل المقارنات التلقائية سيكون الاهتمام منصبا حول الاستفادة والتعلم من الآخر، دون التسرع في التقييم، وهذا مؤشر وعي لحالة الروح الجميلة التي يكسوها التواضع ورغبة التوجه والانتماء المستمر لما هو في محيط الخير والحق والجمال.

@fahdabdullahz

أضف تعليقاً

Add Comment