التسريبات الصوتية الأخيرة لحديث مطول بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان ونجله بلال في الفترة الواقعة بين 17 و 18 ديسمبر الماضي أثناء عمليات المداهمة والاعتقالات ضد شخصيات سياسية وحزبية وأبناء وزراء بتهم الفساد والرشاوى، كانت الرد الأقوى من قبل الدولة الموازية أو جماعة فتح الله غولان على تسريب ملفات قضائية تتحدث عن عمليات تنصت على آلاف المواطنين الأتراك بتهم الإرهاب بطريقة غير قانونية.
مضمون هذه التسجيلات التي وصفها إردوغان بالمفبركة والهادفة لإسقاط حكومته كان دعوة الأخير نجله للتحرك السريع لإخفاء أكثر من مليار دولار موجودة في منزله عبر توزيعها على الأهل والأصدقاء وسط هذه الظروف الصعبة التي يمر بها حزب العدالة.
وتعيش تركيا انقساما حادا حول هذه الأشرطة الصوتية التي سبقها تهديدات وهجمات يقول البعض إن ما سيعقبها سيكون أكثر خطورة خصوصا وأن الحديث يدور عن وجود أشرطة مصورة هذه المرة حول نقل هذه الأموال من منزل أسرة إردوغان وطرق محاولات إخفاء الأموال التي لعب أفراد الأسرة وأقرب المقربين دورا كبيرا فيها.
ويقول أعوان إردوغان إنه خلال الأوقات التي أعلن أنه كان يحادث نجله فيها كان رئيس الوزراء في اجتماعات وأماكن أخرى، لكن هذا الرد لم يقنع المعارضة حتما التي سارعت لاستغلال فرصة لن تعوض من هذا النوع، مطالبة برحيل رئيس وزراء فقد شرعيته كما قالت قياداتها السياسية.
الحكومة وبعد ساعات على ارتدادات الصدمة تحركت كما ذكر لإرسال نسخ عن التسجيلات إلى جهات متخصصة في الولايات المتحدة الأمريكية وصفت التسجيلات بأنها غير صحيحة ومدبلجة، ولكن هذا لم يطمئن خبراء الصوت والمهندسين العاملين في هذا المجال مثل أتيللا أوز دمير أوغلو وأردن هلواجي وعلي بيووك الذين اتفقوا حول مسألة صحة التسجيلات وأنها تعود إلى إردوغان وابنه مباشرة.
وتنسب الإعلامية في جريدة ميليت سربيل شفيكجان إلى مصادر أمنية وجود مجموعة من 30 شخصا شاركوا في عملية التنصت على هاتف الكريبتو الذي يستخدمه إردوغان وأن التنصت تم مباشرة من الداخل وعبر الحلقة الأقرب إلى إردوغان نفسه.
وهي تعيدنا بالذاكرة إلى ديسمبر 2011 عندما عثر على أجهزة تنصت في منزل ومكتب إردوغان كشف النقاب عن المشتبه بهم وثبت أنهم يعملون في الجهاز المكلف بحماية رئيس الوزراء لكنهم كما قيل نجحوا في مغادرة البلاد قبل اعتقالهم.
ويقول القيادي الكردي البارز في حزب السلام والديمقراطية المعارض صلاح الدين دميرطاش إن الإجابة هي في غاية البساطة يرسل إردوغان الشريط إلى المؤسسات التركية المتخصصة في هذا المجال تحلل الصوت وتعطي قرارها خلال دقائق ونعرف جميعا النتيجة.
إجماع في صفوف كثيرين أن وقوف كمال كيليشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض أمام نواب كتلته البرلمانية الثلاثاء الماضي وعلى مرأى ومسمع الكاميرات وفي نقل مباشر يتابعه الأتراك جميعا وهو يعرض هذا التسجيل الصوتي بتفاصيله كافة عقد الأمور أكثر فأكثر، فهو لم يغضب إردوغان وحزبه فقط بل فتح الأبواب أمام استغلال تسريبات بشكل غير قانوني واستخدامها كوسيلة دعائية وتحويلها إلى سلاح سياسي تستخدمه المعارضة ضد حكومة العدالة والتنمية دون التأكد من مصداقيته وصحته كما يقول الكاتب راسم أوزان.
ويضيف أوزان أن المعارضة لا تملك الأوراق والمشاريع والبرامج القادرة على إزاحة إردوغان عن الحكم لذلك هي تستفيد مما تقدمه لها حركة فتح الله غولان والدولة الموازية من ملفات ومعلومات ووثائق دون الحاجة إلى التدقيق في صحتها حتى.
لكن الصحافي سليمان أوزأشق يتساءل إذا كانت هذه المعلومات موجودة لدى البعض لماذا لم يستخدمها قبل شهرين واحتفظ بها حتى اليوم ولماذا لم يقم بتنفيذ عملية مشابهة لعملية 17 ديسمبر ضد من يشتبه بهم في تسلم هذه الأموال؟ الهدف كما يتابع هو لعب مسألة التوقيت وانتظار الفرص المناسبة للانقضاض على إردوغان وحكومته بهذه الطريقة فكيف ستغفر لهم الملايين التلاعب بقدر البلاد بهذه الطريقة؟التصعيد في ذروته ليس فقط بين السياسيين والحزبيين بل بين الأقلام المناصرة التي انقسمت مرة جديدة بين مؤيد ومعارض لهذه التسريبات.
ووجهت الإعلامية أليف شاكير كتابا عبر زاويتها في جريدة يني شفق الإسلامية إلى غولان نفسه تحمله جزءا كبيرا من مسؤولية إيصال الأمور إلى هذه الحالة وتصور له الوضع الصعب الذي يعيشه أنصاره نتيجة الأخطاء التي يرتكبها هو.
الكاتب والإعلامي التركي روشان شاكير الذي انتقد محاولات إعلام الجماعة لعب كل الأوراق واستغلال كل الفرص ضد إردوغان وحكومته عبر تجييش المناصرين وحشد وتعبئة الرأي العام قال لا أحد في تركيا يسأل اليوم عن طريقة تسريب هذه الأشرطة ومن يقوم بذلك وما هي مسؤوليته القانونية والأخلاقية، الجميع يركز على مضمون الرسائل ومحتواها وهل ستنجح في إسقاط الحكومة أم لا؟وستكون الأيام المقبلة أصعب على الحكم والمعارضة حتما فالسيوف التي شهرت يبدو أنها لن تعود إلى أماكنها قبل تحديد المنتصر والمهزوم في منازلة تشتد ويحمى وطيسها يوما بعد آخر.
لا أحد يريد الهدنة والتهدئة والمصالحة رغم أن الكاتب والمفكر التركي المعتدل طه أقيول يدعو إلى الفصل بين التنصت القانوني والتنصت الاستخباراتي فهو الآخر بات في حقل رماية إردوغان الذي وصفه بأنه وسيط إنجاز أعمال أهم خصومه السياسيين مجموعة دوغان التي تمتلك عشرات المؤسسات التجارية والإعلامية داخل تركيا وخارجها وهي رغم توجهها اليساري العلماني تتعاون مع جماعة غولان في حربها المفتوحة مع الحكومة.
الشارع التركي يقرأ في هذا الأيام كتابات جنكيز تشاندار وحسن جمال أهم أقلام المعارضة التي تتساءل عن أسباب بقاء إردوغان وحكومته في السلطة رغم كل هذه التسريبات حول الفساد والرشاوى والغنى غير المشروع.
تركيا إذا ليست بلدا ديمقراطيا كما يقول لنا البعض والحكومة مصرة على البقاء رغم كل هذه التفاصيل التي تعكس حجم الفساد.
ويبدو أن جهود المعارضة والجماعة تتوحد رغم كل التباعد والخلافات السياسية والعقائدية أمام مشروع إبعاد إردوغان وإضعاف حزبه في الانتخابات المقبلة مهما كان الثمن دون أي نقاش حول ما ينتظر تركيا بعد سيناريو من هذا النوع.
وفي هذا الإطار يذكر الإعلامي عبدالقادر سلفي أحد أهم الأقلام التي تدافع عن إردوغان أن المعارضة وفي مقدمتها حزب الشعب الجمهوري بمقدورها أن تستفيد من خدمات الجماعة وتبني معها حلفا سياسيا في المستقبل لكن عليها أن تتذكر دائما أن هذا الحلف تم بينها وبين حزب العدالة، وأن الجماعة لم تتردد في إيصال الأمور إلى هذه النقطة بسبب إصرارها على الانتشار والتحكم أم أن حزب الشعب الجمهوري اليساري العلماني الأتاتوركي لا يعرف ذلك؟ ربما هو يعرف لكن حلم إسقاط إردوغان مهما كان الثمن هو المهيمن اليوم على قرار قياداته السياسية.
هناك إجماع على استمرار حالة التوتر والتصعيد مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية بعد شهر تقريبا لكن التخوف الأهم يبقى أن تنتقل هذه المواجهات إلى الشارع بين الطرفين ومناصريهم تعيد تركيا إلى أجواء غزي بارك في إسطنبول التي عصفت بالبلاد وكانت كلفتها السياسية والأمنية والاقتصادية باهظة على الداخل وعلى مصالح تركيا في الخارج.