عندما تمشي في روتشديل، المدينة التجارية وأكبر محالج بريطانيا في قديم الزمان، حاول ألا يصدمك الفقر هنا وهناك. نعم ما تزال آثار النعمة بادية، خاصة في مبنى بلدية المدينة، ذي البرج الشبيه بالبيج بن، والذي اعتبر مثلا حقيقيا على روعة العمارة الفيكتورية - القوطية حتي نافس وتعدى المركز الأكبر مانشستر (وحتى يقال عنه نفس المقولة عن حب هتلر الأثير له الذي حال دون قصفه) وبعض المباني هنا وهناك، فقد تصدمك كمية البطالة والفقر المنتشرة هنا. قبل ثلاث سنوات، قامت أعمال شغب في روتشديل احتجاجا على مستوى المعيشة، ويبدو هذا في سياق طبيعي حين نتذكر فضيحة جوردون براون قبل أربع سنوات، حينما سب سيدة من روتشديل انتقدته على سوء الأحوال، غير منتبه إلى أن المايكروفون مفتوح وينقل ما يقول. عندما تدخل مبنى البلدية البديع، وتنظر إلى الأعلى، وتجد رسما مخصصا لمصر، مكان القطن طويل التيلة الأروع في العالم، تعرف مدى مركزية هذا المحلج الكبير في أيام الثورة الصناعية، والذي بنيت له خصيصا «قناة روتشديل» لتصدير منتجاتها سواء لمدن بريطانيا أو للعالم، وعندما تعرف أن ما يعرف بـ»قواعد روتشديل» كانت عام 1844 هي الأساس الذي قامت عليه فكرة المجمعات التعاونية (الكو-اب) في عموم بريطانيا، والتي أصدرتها أول جمعية تعاونية في بريطانيا بأسرها في روتشديل وهي جمعية الرواد المتكافئون. عندما تمشي في أرجاء المدينة، تجد هذه العبارة بفخر كبير «هنا موطن الجمعيات التعاونية». عندما تعرف كل هذا، تعرف مدى حزن القصة التي آلت إليها روتشديل الآن، فهي لم تكن كمدينة المركز مانشستر في استعادتها لحيويتها بعد تفكيك الثورة الصناعية. وربما في المقارنة كثير من الظلم، عندما تعرف أن أغلب خدمات النقل والبوليس وغيرها تقع في مانشستر، المدينة الأكبر، والتي، نتيجة لهذا المركزية، قد تكون اهتمت بنفسها أكثر قليلا، وهو استنتاج حزين في مقابل زمالة المدينتين في الانتماء لمقاطعة «لانكشر» (لانكشاير كما تكتب أحيانا) ورمز الوردة الحمراء، أمام «يوركشر» (يوركشاير) ورمز الوردة البيضاء، في خصومة تاريخية. وبعيدا عن مثل هذه الصورة المتشائمة، فيمكنك المرور ببعض ضواحيها الجميلة، حيث توجد البيوت ذات الدور الواحد «البانجلو»، ويمكن أن يسترعي انتباهك جودة الاسفلت في مناطق عدة، ولفت نظري مبنى محلي بآيات من القرآن وبعض المنمنمات الشرقية، فقالت لي صديقتي إن هذا مبنى من مباني بعض الباكستانيين الأثرياء الذين يسكنون في المدينة، وهم ليسوا بالقليلين. تذكرت النسبة العالية من اليهود والمسلمين والمسيحيين في مانشستر، ويمكنك أن تضيف عليهم العديد من الهندوس بتخيل طبيعي لحجم الكتلة السكانية الهندية في المدينة، وما تزال اللحظة الفارقة في ذاكرتي حين اكتشفت أن ما يشبه محلا تجاريا عاديا في المدينة، بواجهته الزجاجية وأنواره ولافتته البلاستيكية اللامعة المبطنة بأنوار الفلورسنت هو معبد هندوسي. كانت لحظة فارقة في تخيلي لشكل أماكن العبادة، ما يمكن أن تكون عليه. وقبل أيام، وفي جولة في أنحاء روتشديل مع عائلة إنجليزية كريمة، أشار لي عميد العائلة بفخر إلى مبنى ما وقال إنه مسجد المنطقة: المسجد الذهبي. كان الرجل يشعر بالفخر لتجربة بريطانيا المختلفة أوروبيا في استيعاب الثقافات المختلفة والتعامل معاها، وكنت مستعدًا للاعتراف بهذه النقطة الايجابية عن طيب خاطر. وفي الليل، تمت دعوتنا لعشاء شهي في أحد المطاعم الهندية في روتشديل، وتميز عاملوه باللطف الشديد لا سيما عند معرفة اسمي العربي، وقبل أن يشطح بك الظن إلى تخيل أنه إثبات آخر من الأسرة الإنجليزية المضيافة على سعة صدرها تجاه المطابخ المختلفة في العالم، يمكنك أن تتذكر أن الطعام الهندي يحتل مكانة دائمة في المائدة البريطانية. سألني عميد الأسرة الإنجليزي عن زيارتي لمبنى بلدية المدينة، بلكنته الشمالية التي تميل لنطق الـ»U» كـ»O» وتجاهل نطق الـ»T» غالبا، قلت إن وظيفية المدينة تذكرني بمدينة المحلة الكبرى في بلادي، والتي هي محلج عملاق ووطني لقطن بلادي الفاخر الذي يتيه به البريطانيون (عندما تستخدم مناشف معينة فاخرة، ترى كلمة «مصري» مكتوبة بخطوط كبيرة جدا فوق لوحة الماركة المصنوعة من البوليستر). قال لي وما حال المحلة الكبرى الآن؟ قلت له بابتسامة ما، وقد فاجأني الإدراك: إنه بالنظر لوضع روتشديل الآن، فكلنا في الهم واحد. صمت قليلا قبل أن أشعر بلزوم القول: تقريبا…!
[email protected]