محمد الأحمدي

«السعوديون لا يكذبون»

الثلاثاء - 28 يوليو 2020

Tue - 28 Jul 2020

«السعوديون لا يكذبون» انطباع لمسته من محادثة طويلة مع مهندس الطيران البولندي الذي يعمل في بورتموث البريطانية. قصة هذا الانطباع ظهرت بعدما زادت ضربات قلب المهندس الذي يتعامل مع الحركة الدؤوبة للمحركات بسبب إيقاف البنك للحوالة المالية لحسابه مساء الأحد. وزاده الأمر حيرة حينما لم يفعل البنك التحويل صباح الإثنين على الرغم من تأكيد عمليات التحويل عبر الموقع الالكتروني للبنك. وهذا كفيل بإثارة الشكوك في مخيلة المهندس، وبعد تواصل كثيف معه ومع البنك أشار الأخير إلى أن التحويلات المتعلقة بشراء السيارات تحتاج لمزيد من التدقيق والتأكد، نظرا لكثرة الشكاوى الواردة للبنك بشأن عمليات احتيال تستخدم السيارات ذريعة لها.

انتهى الأمر بزيارة البنك وتفعيل التحويل بعد إجراءات شعرت خلالها أني جانٍ وأن موظف البنك يمارس دور المحقق، أخرجني عن هدوئي قليلا حتى أُوقف سيل الأسئلة التي تأتي متتالية، فحساب البائع حساب بنكي بريطاني، وبالتالي أمر تتبعه ليس بالأمر المستحيل في ظل ارتباط الحساب البنكي بالعنوان السكني في بريطانيا، والمشتري ماثل أمام البنك.

لكن عندما رأى موظف البنك امتعاضي من الإجراءات بدأ يتحدث عن ارتفاع نسبة الاحتيالات التي وردت للبنك، سواء بتحويل الأموال لجهات مجهولة، أو انتحال صفة البنك بطلب البيانات الشخصية للعملاء، أو طلب بيانات البطاقات الائتمانية بشكل ملحوظ خلال فترة حظر التجول المفروض بسبب جائحة كورونا.

وقد تواصل معي أطراف مجهولون خلال أسبوع واحد مرتين، في كلتيهما يتعلق الأمر بالسيارات وبالأسلوب نفسه.

الأمر باختصار أنه عند عرض سلعة في مواقع بيع المنتجات المستعملة فإن هذه العصابات تتواصل عبر الإيميل وتبدي الرغبة بشراء المنتج بالسعر المعروض، وتضيف عليه رسوم عملية الشحن، ثم ترسل إيميلا مزورا بعملية التحويل إلى حساب PayPal مع ملاحظة أن عملية تحويل المبلغ معلقة حتى يتم تحويل رسوم الشحن للشركة التي ستتكفل بإيصال السلعة عبر تحويل المبلغ لحساب ويسترن يونيون، وتكتفي هذه العصابة بهذا المبلغ. وعلى الرغم من أن الأسلوب مكشوف وبطريقة تقليدية وذو طابع لا يمت لأساليب الاحترافية في الاختلاس بشيء، إلا أن البنك اشتكى من جهل كثير من العملاء في ذلك الشأن.

وبعد صباح صاخب بالاتصالات والمراسلات التي لم تثمر في إيصال المبلغ لحساب المهندس، ظن أنه وقع «ضحية نصب محترفة» على قوله. وبدأ يتناقش مع زوجته في شكوكه وافتراضاته التي وضعها ليصل لتفسير منطقي لما جرى. وبعد أن رأى بعينيه عملية تأكيد التحويل عبر تطبيق البنك، ووصول إيصال التحويل الصادر بتوقيع البنك إليه أيضا، إلا أن ذلك لم ينجح في إيصال المبلغ الفعلي أو يظهر على الأقل معلقا في حسابه.

في الوقت نفسه تأبى كل المعطيات التي جمعها من اللقاء الذي جمعنا به تأكيد ما يفترض. فلقد تقابلنا لمدة نصف ساعة برفقة عضو هيئة تدريس بجامعة إكستر. تعرف علينا وتحادثنا عن كثير من الأمور بعيدا عن السيارة، كلها كانت كفيلة بنفي افتراضات الشكوك التي تبادرت إلى ذهنه.

صارحني بعدما أتممنا عملية الشراء بما دار في مخيلته، وبأنه عمل مع كثير من السعوديين والإماراتيين في قاعدة الطيران طيلة 12 سنة.

وخلال معرفته بهم لم يكذب عليه أي منهم طيلة حياته. ويردف قائلا: ما رأيته منكم لا يثير شبهة الكذب، السعوديون أغنياء ليسوا بحاجة لسرقة مبلغ لا يساوي إيجار ثلاث ليال في قصر فاخر بلندن، كما أنكم أكاديميون - وعنده هم صادقون جدا فيما يطرحون من فكر، كما أن ذاكرتي عادت بي حينما زرت الأردن كبلد عربي فما لمست إلا الصدق في التعامل مع العرب هناك، وتكرمكم بدعوتي وزوجتي لتناول الطعام في مطعم يقدم المأكولات العربية؛ كل هذه المعطيات كانت كفيلة بعدم تأكيد شكوكي حولكم، وفي الوقت نفسه أنا متطلع لمعرفة لغز تأخر تحويل المبلغ المالي الذي وصل متأخرا.

الخلاصة سيعرف الناس وطنك وقيمه ومبادئه من خلال تعاملك، فالسلوكيات المتواترة تشكل هوية مجتمع في أذهان الآخرين من الثقافات المختلفة.

alahmadim2010@

أضف تعليقاً

Add Comment