مرزوق بن تنباك

حمولة الأرض الثقيلة

الثلاثاء - 21 يوليو 2020

Tue - 21 Jul 2020

لو نظر المرء إلى الدول التي تعيش اليوم وأراد أن يحدد اهتماماتها أو إمكاناتها واقتصاداتها ووزنها على الأرض، لوجد أنها تنقسم إلى دول صناعية كبيرة وقوة غالبة، وأخرى زراعية منتجة، وثالثة ريعية تجود أرضها بما خزن فيها.

وأن الناس في هذه الدول تختلف أهميتهم ومساهمتهم في عملية الإنتاج الذي يعتبر في النهاية هو الدخل القومي للدولة، فالأولى والثانية تحتاجان الأيدي العاملة المدربة الشابة المنتجة، ويعتمد دخلهما القومي على ما تفرضانه من الضرائب على ذلك الإنتاج، حيث تكون سواعد البشر الأقوياء وعقولهم مهمة لاستمرار ثروة الدولة وارتفاع دخلها، وكلما زاد سكان هذين النوعين من الدول زاد إنتاجهم وزادت حاجاتهم لمن يعمل وينتج منهم أو من غيرهم ممن يأتي إليهم من العالم الآخر.

أما النوع الثالث فهي الدول الرعوية أو الريعية التي يأتيها رزقها رغدا، فلا تقدم أعداد البشر وكثرتهم كبير نفع للدولة، بل الكثرة منهم عامل إضعاف وإرهاق للثروة وتبديد لها، وكلما كثر السكان قل دخل الفرد فيها.

ولهذا السبب اختلفت نظرة كل نوع من هذه الأنواع للنمو السكاني والتكاثر البشري، فحين تعتمد مداخيل الدولة على الجهد البشري والإنتاج يكون خيار الانتقاء والتعليم والتدريب والبحث عن الإنسان المنتج هدفا مطلوبا ومرغوبا فيه، وعندما يقل عدد القادرين على العمل من أبنائها فإنها تفتح أبواب الهجرة وتستقدم العاملين الناشطين وتبحث عنهم في الداخل أو في الخارج، وتتيح فرصا للقدوم والإقامة على الرحب والسعة، مثال ذلك ما تقدمه بعض الدول الغربية للقادمين إليها، خاصة للطلاب من العالم الثالث.

فحين يتخرجون في الجامعات التي درسوا فيها فإنهم في الغالب يمنحون فرصة الإقامة لمدة عام أو عامين بعد التخرج للبحث عن عمل، فإذا وجدوا العمل استحقوا الإقامة والسماح بالبقاء، وبعد عدد من السنوات يحصلون على الإقامة الدائمة والجنسية، وهكذا تكون الهجرة من العالم الثالث مصدر إنتاج مستمر ودائم والهجرة إلى هذه الدول مرغوبة وهم ينتقون القادرين على الإنتاج، وليست الهجرة العشوائية غير المقننة التي تتعرض لها دول أخرى من العالم النامي كدول الخليج.

أما النوع الثالث فهي الدول الريعية، وهي عكس النوعين الأولين، فلا يزيد السكان فيها إلا نقصت ثروتها وقلة حيلتها بقدر الزيادة في سكانها، ذلك أن الثروة الريعية لا تحتاج كثيرا من الأيدي لإنتاجها ولا يصير نقص عدد الأيدي العاملة مشكلة لها، المشكلة عندها الأيدي الممتدة لأخذ نصيبها من الثروة الريعية واقتسامها بين السكان في الخدمات العامة التي يحتاجها التكاثر والتوالد البشري، ومنها بعض الدول العربية مثل دول الخليج التي تعتمد على ما نسميه الاقتصاد الريعي، حيث تعتمد على البترول ومنتجاته، وقلما يكون لها إنتاج مواز أو مقارب لما تحصل عليه من عائدات البترول، وهذا الحال يجعل الكثرة السكانية خطرا عليها اقتصاديا واجتماعيا بصفتها تعول هذه الأعداد المتزايدة بلا ضابط ولا تقنين، وينطبق عليها رأي الأولين (قلة العيال أحد اليسارين).

لقد أصبحت حمولة الأرض في الخليج ثقيلة وضاغطة على الواقع الذي تحتمله من نوعي السكان فيها: المواطنون الأصليون، والقادمون إليها لممارسة أعمال غير منتجة وتجارة هامشية وإقامة ثقيلة دائمة.

وليس أمام هذه الدول لدرء الخطر مستقبلا وتقليل الأضرار وما يسببه هذا الوضع من مشكلات بنيوية غير البحث الجاد عن حلول مؤسسية سريعة، أهمها وضع الخطط المستقبلية المحكمة والاعتناء بالنوعية النموذجية المنتجة لمن يسمح لهم بالقدوم والإقامة من غير المواطنين، الثاني حل مشكلتي التكاثر العشوائي للسكان وتقليل هجرة المهاجرين الهامشيين، والتخلص من الأعداد الكثيرة الضاغطة على البنية التحتية للدولة الريعية.

Mtenback@

أضف تعليقاً

Add Comment