هيفاء السريحي

الفجوة الفكرية واختلاف المفاهيم بين الرجل والمرأة

الاثنين - 13 يوليو 2020

Mon - 13 Jul 2020

نشأت الخِلقة البشرية بوجود المرأة (حواء) والرجل (آدم) جنبا إلى جنب ومشاركتهما للحياة بحُلوها كما كانا في الجنة وبمرها بعد أن هبطا منها، مع تحملها جزءا من هذا الذنب (قالا ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)، وعلى هذا سارت العصور الإنسانية الأولى بالنظر إلى المرأة كونها شريكا فاعلا، يجري عليها ما يجري على الرجل سوى بعض الممارسات الشاقة على التشكيل الخَلقي للمرأة.

تنقل هذا الدور النسائي بين التوهج والخفوت على مر الأزمنة حتى وصل إلى العصر العربي الجاهلي الذي وصل فيه الحد إلى الاعتداء على المرأة بدفنها حية، أو نيلها كل أشكال الهوان، إلا أن عدل الله سبحانه ورحمته تأبى أن تستمر المرأة وهي الشريكة الأولى أن تعيش على هامش الحياة ذائقة أصناف التسلط والقمع، فجاء الإسلام وأعاد حقبة الخلقة الأولى فجعل خديجة بنت خويلد رضي الله عنها المساند والداعم الأكبر للدعوة الإسلامية كما كانت حواء مع آدم عليهما السلام، ثم تعاقبت القرون حتى ذبل هذا الدور وباتت القصص التي تروى عن البطولات النسائية شبه معدودة.

في هذا العصر باشرت المرأة محاولات استعادة مكانتها الأولى، ورغبتها في العودة لعرش السيادة بجانب الرجل، ورغم التقدم والتطور والترحيب الرجولي بعودة المرأة للمشاركة الحياتية باتت اللغة بينهما مختلفة، وأصبحت المرأة والرجل في عراك مستمر نتيجة اختلاف المفاهيم بينهما، وهذا الاختلاف لم يكن وليد العصر، فهناك أسباب كثيرة سأسلط الضوء على بعض منها:

أسباب تاريخية: إثر الفتوحات الإسلامية العظيمة وانفتاح الإسلام على الحضارات الأخرى كالفارسية والرومانية وبعض الدول المسيحية وغيرها، والتي كانت المرأة في تلك الحضارات تعاني من الإذلال والاستعباد المتعمد نتيجة معتقداتهم القديمة حول خطيئة حواء، هذه الأفكار سمحت لعودة الأفكار الجاهلية عن المرأة من جديد، وإن اتخذت صورا مغايرة تماما عما كانت عليه قديما.

أسباب اجتماعية: لا شك أن تأخر تعليم المرأة ورفض المجتمع التحاق النساء بالمدارس كانا المعيق الأكبر الذي أدى لوجود الفجوة في التكافؤ الفكري بين الرجل والمرأة، في الوقت الذي كانت الكتاتيب والمدارس محصورة في الرجل، في حين أن المرأة كانت تتعلم من المفاهيم الموروثة والمتناقلة عبر الأجيال النسائية التي تغلبها الآراء الشخصية والتجارب الذاتية، فلم تعد هناك مفاهيم واضحة محددة، بل هي خليط بين ما هو موروث وبين الواقع.

أسباب اقتصادية: لم تكن الظروف الاقتصادية في الجزيرة العربية مناسبة لتوفر قوت الحياة فأصبح البحث عن لقمة العيش مصيرا حتميا يقوم به الرجل وهو العائل الوحيد للأسرة، فخروج الرجل وتنقلاته وسفراته بين الأمصار والأقطار له دور في اتساع أفقه وارتقاء فكره وصقل شخصيته، فللسفر كما يقال سبع فوائد، في حين بقاء المرأة وعدم قدرته على اصطحابها معه شكلا هذا الفارق الفكري بينهما.

أسباب سياسية: بعد أن كان للمرأة الدور العظيم في المشاركة السياسية وصنع القرار واشتغالها في مناصب القضاء والحسبة والإفتاء، والمساهمات البطولية في ساحات الحروب والمعارك، والبت في بعض الأمور الدينية، تعرضت المرأة لتحجيم رسالتها في الحياة وحصرها في البيت زمنا طويلا، مما خلق العراك الواضح بين الرجل والمرأة عند عودتها للساحة من جديد.

أسباب دينية: لا شك بعد هذا الاستعراض التاريخي والاجتماعي وسيادة الرجل في الرأي أن هناك قصورا في فهم النصوص الدينية المتعلقة بتكريم المرأة، خاصة عودة الجهل نتيجة سنوات الفقر والقحط، فلم يكن للعلم شأن مقابل البقاء والعيش، إضافة إلى تأثير العوامل السابقة على خلفية الرجل الفكرية عن نفسه وعن المرأة.

وها نحن اليوم نشهد التحولات الكبرى في العلم والفكر والثقافة والانفتاح، وأضحى من الضروري إعادة بناء المفاهيم وتصحيحها على أسس دينية وعلمية معتبرة، مما شأنه أن يسهم في تقليل المشكلات الاجتماعية التي تنشأ بين الفينة والفينة، وأن نعيد الأدوار الفاعلة للرجل والمرأة أسوة بالحقبة الإنسانية الأولى وبداية الحقبة الإسلامية، حتى نضمن توحيد الجهود في تشييد حضارة حقيقية تجمع بين العلم والأخلاق، فتلك حقيقتنا المغيبة التي طمسها الإعلام وكان له المهمة الأكبر في بلورة المفاهيم وتحويرها وتحييدها عن الصحة

أدعو الجميع إلى التكاتف حول تفتيت المفاهيم المضللة، وتوضيحها كما هي في الكتب العلمية والبحث العلمي، فالعلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تكاملية للوصول إلى الحياة الطيبة كما ينشدها الجميع.

أضف تعليقاً

Add Comment