شاهر النهاري

العراق عاصمة الحضارات يذبحها الشتات

الاثنين - 13 يوليو 2020

Mon - 13 Jul 2020

تظل هبة الرافدين حكاية شرقية أصيلة بذاتها، بالحرف والعجلة وقوانين حمورابي، وما نشأ فيها من حضارات آشورية بابلية أكادية سومرية سريانية أضاءت دروب البشرية، مما أثار طمع حضارات خارجية فيها من فارسية ويونانية ورومانية وصولا للدولة العباسية، التي جعلتها عاصمة الثقافة والفنون والفلسفة والطب والحساب والفلك والعلوم، قبل أن تدكها جحافل التتار صابغة الرافدين بالدماء والحبر.

ثم تنازعت عليها الدولة العثمانية والاحتلال البريطاني، بأغراض هيمنة على الخيرات، وتقسيم للأرض، وتشتيت للأكراد وخلق العداء بين مكونات العراق الشعبية.

وتخلقت المملكة العراقية قبل أن تنسفها ثورة عبدالكريم قاسم، وما تبعها من تقلبات حتى بلوغ صدام حسين الحكم، واقترافه حركة غباء أسقطت بغداد، لتتعاظم الفوضى ويعم الشتات، ويتعمق الوجود الأمريكي البريطاني، ويتسلط الأتراك على مناطق الأكراد ومنابع الماء، وتتغلغل إيران في الشأن العراقي، ناسفة عروبتها ومشعلة أيديولوجياتها، ومتحكمة بحكوماتها المتعاقبة واقتصادها بتوطين الفساد، وتحييد كلمة الشارع والعقل، وتشويه العلاقات العراقية العربية، ثم إطلاق يد داعش لتأكيد عمق الفتنة المذهبية، وسحق وقتل الأقليات، وتدمير وسرقة أيقونات الحضارات القديمة، وإكمال التمثيليات الفجة القاتلة بتكوين الحشود الشعبية المسلحة التي تدين لطهران بالولاء، وتسيطر على الشارع العراقي وتقتل الآلاف من الشعب الأبي، كي لا يعي ولا ينتفض ولا ينشد الحياة الكريمة ولا يعيش السلام.

كينونة الإنسان العراقي الحزينة الباكية لم تأت من التراث والمواويل والأغنيات الشعبية فحسب، ولكنها مكابدة قرون من الحزن والقهر وهو يحاول التأقلم مع كل مغتصب ظالم قوي يحط على أرضه.

الصورة الحالية في العراق عظيمة الفساد مختلة الأمن، قاصرة في أغلب نواحيها المدنية والثقافية وبما لا يتناسب مع تاريخ العراق وثقافاته وإنسانه وخيرات أرضه، حتى إن معظم شباب العراق وعقوله هاجروا خوفا وقهرا ومظلمة إلى مختلف دول العالم البعيد، فلا يوجد معهد بحث ولا مختبر ولا منشط حضاري ولا معرض فنون ولا جامعة، ولا مصنع تقني عالمي إلا وتجد العراقي بيده وعقله وقدراته الفاعلة.

الشعب العراقي العظيم يستحق قيادة زمام أمره باستقلالية، ولكنه يفشل أمام حكومات ضعيفة، تخذله بالتغاضي والتسويف وغياب العدالة لمن يعتقلون علانية، ومن يغتالون بدم بارد، فالاغتيال لم يعد يكلف مقترفه إلا ارتداء غطاء وجه وركوب عجلات مسرعة، وامتشاق سلاح حقد واستهجان وطائفية يطلقها على رأس أي مختلف.

والأمن الضعيف لا ينتمي للأرض والإنسان العراقي، ولكل حكومة جديدة صنم تظل تعبده وتنفذ أوامره.

الشعب العراقي يشعر بالخذلان ويكابد تبعية تقيم فئة على فئة، وعرقا على عرق، ومذهبا على مذهب، وخائنا على مخلص.

لك الله يا بغداد، فالأطماع الفارسية والتركية والأوروبية بك تتجدد، وكل منها له طريقته الخبيثة المدروسة في تقسيم الكعكة بين المحتلين، مبقية على الفتات للشعب الأبي، الذي يدرك ما يحاك له، ولكنه لا يجد من يقف معه من سلطات البلد، إلا لو لبس لون عنصرية معينة مقيتة تجعله يتعامل بقانون المحتل، ويقتل المختلفين عنه ويقوم بتشويه علاقات الشعب العراقي مع العرب، ممن يحاولون الوقوف معه ومساعدته.

وصدقوني أن العراق لا يموت، وبوادر خير نرى طلائعها تتشكل في الحكومة الحالية، وكم نتمنى أن يتحقق معها الرخاء لشعبها العظيم بما ينعش العروبة والاستقلال وعدالة الاتزان والقدرة والرؤية، وأن تستعاد الحضارة المختطفة من أهلها المستحقين.

alnahariShaher@

أضف تعليقاً

Add Comment