مرزوق بن تنباك

بين سلامة الاقتصاد أو سلامة العباد

الثلاثاء - 07 يوليو 2020

Tue - 07 Jul 2020

يبدو أن العالم بقضه وقضيه قد وضعه فيروس كورونا بين خيارين لا ثالث لهما، خيار ترك المرض ينتشر بين الناس ليموت من يموت ويحيا من حيي بأمر الله، مثلما حاول رئيس وزراء بريطانيا في البدء عندما دعا أن يترك الأمر لمناعة القطيع كما سماه، فكان هو رأس القطيع وأول من اختاره الفيرس ليجرب حظه ومناعته قبل القطيع كله.

كان ذلك خيارا صعبا على كل حال ونتيجته قاسية، ورغم أن العالم كافح في أول الأمر وعزل وحجز وحاول وعجز، أخذ بالمثل العربي القديم ليترك الحبل على الغارب، حين يطلق للبعير حرية الحركة والانتقال من مكان إلى آخر كما يريد وبدون قيد ولا شرط، وهو تعبير عن التصرف الحر للإنسان كما يشاء، ويظهر أنه في النهاية ترك الحبل للفيروس على غاربه ليسير كما يشاء، ويذهب حيث يريد، وقد زادت سرعته فطبق الآفاق وعمت مصيبته العالم دون حساب على كل حال.

ولم ينته الوباء ولكن انتهى صبر الناس على المنع، فغلبت رغبة الحرية على الخوف، وهذا في حد ذاته دليل على أهمية الحرية وقيمتها عند البشر حتى في وقت المخاطرة غير محسوبة العواقب على الصحة والسلامة التي يطلبها الناس كافة، ويحرصون على أن يتمتعوا بحقهم منها، ومع هذا الحرص مالت كفة الحرية عند كثير منهم على مخاوف الحذر من العدوى والمخاطرة بالأرواح والأنفس أمام الجائحة الشاملة.

أما الخيار الآخر فكان بين الاقتصاد ونموه والمحافظة عليه أو الكساد ومصائبه وأخطاره وما يترتب من مشكلات لا يستطيع تحمل تبعاتها كثير من الناس، وهو خيار صعب أيضا وفي غاية التعقيد والجدل الأخلاقي، أيهما أحق؟ أيموت الناس أم يموت الاقتصاد؟

الاقتصاد عصب الحياة والمال صنو النفس، وحجز الناس وعزلهم لا يتضرر منه شيء كما يتضرر الاقتصاد، وخلال الأشهر القليلة التي حدت الدول من حرية الناس ومنعت العمل المشترك وأوقفت الاقتصاد وانطلاقته، أفلست كثير من مؤسسات القطاع الخاص وتعطلت حركة المال وسيرورته وفقد ملايين العمال أعمالهم التي يقتاتون منها وسرحت ملايين منهم، فكانت النتيجة الوخيمة على أرزاق الناس لا تحتمل وصار الإفلاس أخطر مما قد يتعرضون له من أسباب الوباء.

ومعلوم بالضرورة أن الاقتصاد والاهتمام به والمحافظة عليه منذ القدم تأتي قبل المحافظة على الأنفس، وأكبر دليل أن الحروب التي تذهب فيها النفوس يكون أغلب أسبابها الاقتصاد وانتعاشه والمحافظة عليه، وأغلب الحروب التي تخوضها الدول على كل المستويات دوافعها ليست سياسية بحتة، ولكن وراءها الدوافع الاقتصادية في الدرجة الأولى، وما حدث من مواجهة بين سلامة الناس وعزلهم في بيوتهم ولو مدة قصيرة وأثر ذلك على الركود الاقتصادي جعل كفة الاقتصاد ونشاطه مقدمان على حياة الناس وسلامتهم.

ولم يعد أمام السياسيين خيارات كثيرة، إما التضحية بنشاط التجارة ودورة المال وإطلاق العمل للبحث عنه ولو على حساب صحة الناس وسلامتهم، أو خيار الكساد العريض الذي سيواجه العالم في كل أقطار المعمورة، وهنا بدأ خيار التحدي بين أمرين أحلاهما مر، فكان خيار إنعاش الاقتصاد هو الراجح الذي صار إليه العالم، فأطلق الحركة ليدور الاقتصاد دورته الطبيعية التي لا بد منها.

أما سلامة الإنسان فقد أصبحت مسؤوليته وحده، وعليه أن يحافظ عليها بما يستطيع والأمر إليه، ولا شك أن الإنسان على نفسه بصير وعليه أن يبذل ما يستطيع للحماية الذاتية والوقاية الواجب اتباعها، وأن يجد الطريق الذي يجمع فيه بين العمل والسلامة، وليس ذلك عسيرا، لكن الوعي هو المعول عليه والحرص واجب على كل حال، والتوكل على الله بعد ذلك، فسيروا في الأرض وابتغوا من فضل الله.

Mtenback@

أضف تعليقاً

Add Comment