بندر الزهراني

جامعاتنا.. إن المعافى غير مخدوع!

السبت - 04 يوليو 2020

Sat - 04 Jul 2020

يبدو أن تكوين الهيئات الاستشارية الدولية في الجامعات المحلية لم يكن فكرة مستوحاة من الخارج، بل فكرة محلية بامتياز، ويستحق أربابها براءة الابتداع، فهي بالأحرى بدعة أكاديمية، لا شرقية ولا غربية، يكاد بريقها الإعلامي يصرع أولي الفوائد والأرقام، ابتدعتها وتبنّتها إحدى الجامعات المحلية الكبرى منذ ما يقارب عشر سنوات، ولا يُعرف لها من قبل مثيل أو شبيه في كل جامعات الدنيا، وقد أنشئت على أساس أنها ستأتي يوما ما بما لم تستطعه الأوائل، أو بما لم يخطر على ذهن واع ملهم أو فطن متيقظ، وقيل حين إنشائها إنها بدعة حسنة، وقال جماعة من الناس: بل هي ترف مذموم، وما بين الحسن والمذموم يتجلى وضوحا الخطأ والصواب.

أنشئت الهيئة الاستشارية الدولية الخاصة بتلكم الجامعة بناء على دراسة قدمتها الجامعة نفسها، ولم تكن هذه الدراسة شغف محب أو عنوان وفاء، بل كانت بحثا تطويريا مدعوما مقدما من الجامعة لأمين الهيئة الوحيد منذ إنشائها وإلى يومنا هذا، وجرت العادة أن تكون تكلفة البحث التطويري الواحد لا تقل في حدودها الدنيا عن مئات الألوف من الريالات، وهذا مال زهيد إذا ما علمنا أن أمين الهيئة قد حصل على أكثر من 70 بحثا تطويريا مدعوما من الجامعة، في مدة زمنية محدودة وتحت برامج ومنح مالية مختلفة! وهذه الأرقام قطعية الثبوت، وليست جدلية أو محل شك، فهي موجودة في السيرة الذاتية لأمين الهيئة على صفحتها الالكترونية.

العجيب والغريب أن تقارير أعمال الهيئة ليست تقارير عادية، ككل التقارير، لا، بل هي أبحاث تطويرية تسجل عادة باسم أمين الهيئة، اللاعب الرئيسي ومحور كل العمليات، بمعنى أن كل ما تقوم به الهيئة من أعمال وما يرافقها من رسميات أو شكليات لا بد من دفع «فواتيره» بشكل أو بآخر، قلّ أو كثر! حتى إنه ليظن أن غداء الهيئة أو عشاءها بحث تطويري!

دعونا نترك الأمور المالية جانبا، ليس لأنها غير مهمة، ولكن لأن هناك جهات رقابية متخصصة وتعرف جيدا ما الذي تريد أن تعرفه، ومتى، وما يتوجب عليها القيام به، ولا بأس أن تظل التساؤلات الأكاديمية مفتوحة، وأن تثار علنا، فلعل هذه الجهات أو غيرها تتحرك فوق حركتها المعتادة أضعافا مضاعفة، وتبحث على سبيل المثال عن أسرار الأبحاث التطويرية: لمن هي؟ ولماذا هي محصورة في أشخاص بعينهم دون غيرهم؟! وكم صرف منها أو صرف تحت مسماها؟ وهكذا، لنترك هذا كله للمختصين، ولنبحث فيما أنجزته الهيئة أكاديميا خلال عقد من الزمن!

من إنجازات الهيئة التي تتفاخر بها الجامعة أنها عقدت بعض اجتماعاتها في النمسا وإسبانيا وكوريا الجنوبية واليابان، طرقا لأبواب العالمية وأخذا بنظرية الترفيه المفيد، والقاسمان الوحيدان بين كل هذه الاجتماعات هما: أن الجامعة كانت هي نفسها المستضيفة بغض النظر عن التنوع المكاني والتباعد الجغرافي، وأن جدول أعمال الاجتماعات يكاد يكون متطابقا إلا في الألفاظ، وربما يعزى ذلك لدواعي التحرير اللغوي وأذواق الترجمة! وعلى الرغم من أن الهيئة عاصرت خمسة وزراء للتعليم ورئيسي جامعة، إلا أنها بقيت ثابتة وفوق النقد، وعلى الرغم من أن نظامها يحدد مدة زمنية لعضويتها سنتين فقط إلا أن أمينها يحظى بالتمديد المستمر رغم تقاعده!

التضخم البحثي لدى مجموعة من أعضاء هيئة التدريس يعد من إنجازات الجامعة التي تتباهى بها، وينسب ذلك الفضل إلى أفكار الهيئة، حيث بلغ النشر العلمي لبعض الأعضاء ما يزيد على ألفي بحث، وهذا الكم الهائل من النشر رغم جودته وتميز أوعية نشره إلا أنه لا أخلاقي من ناحية علمية بحتة، وقد نالت به الجامعة مراكز متقدمة في التصنيفات الدولية بين الجامعات العالمية، وأتت في بعض الأعوام متقدمة على معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وعلى جامعات مثل أوكسفورد وكامبريدج، وهذا مما لا تقبله الفطرة الأكاديمية السوية إذا ما أخذنا بالاعتبار التقدم العلمي الكبير الذي تعيشه الجامعات الغربية.

ترى، هل قدمت الهيئة النصائح «الجيدة» التي كانت من الممكن أن تقود أعضاء هيئة التدريس في الجامعة إلى التميز العالمي الحقيقي ونيل إحدى الجوائز العالمية المرموقة، وأن تتبوأ الجامعة مكانتها العلمية بسواعد أبنائها لا بالمستقطبين ولكن لأن إدارات الجامعة لم توفق في تنفيذ النصائح بشكل جيد انحرفت كل هذه الرؤى والأهداف عما رسمت له؟! الواقع يقول ذلك والشواهد تصدقه، لأن أعضاء الهيئة الدوليين هم فعلا من ذوي الأفكار النيرة والإبداع والتميز، ولكن ربما التنفيذ لم يكن كما كان ينبغي أن يكون!

لنأخذ كمثال آخر على انحراف الرؤى والأهداف ما تمخض عن اجتماع الهيئة في اليابان، والإعلان عن تصميم وصناعة طائرة بلا طيار، تعمل بالطاقة الشمسية لأغراض سلمية، وقد حظيت إدارة الجامعة آنذاك بتغطية إعلامية واسعة الانتشار، ضمنت لأفرادها والمسؤولين عنهم الاستمرار والبقاء في مواقعهم الإدارية برهة من الزمن، بينما الطائرة السراب لم تحلق في سماء الوطن بعد!

حينما تتوفر القوة والمال لدى الإدارة الأكاديمية ويغيب عنها الرقيب كليا أو جزئيا تبدأ أعراض الفساد، قاعدة سهلة وبسيطة، ولا تحتاج إلى تنظير أو فلسفة، وربما يقول قائل: وما فائدة التنظير والبكاء على اللبن المسكوب! فنقول: لولا غياب النقد الأكاديمي الحر المتحرر من مجاملات هذا المسؤول أو ذاك لما ظهر الفساد الأكاديمي في البر والبحر بما كسبت أيدي وعقول بعض الإدارات الجامعية، ولربما قالت جامعاتنا بكل أريحية ما قاله الأولون: ظننتني مضلَّلا كعامر! إن المعافى غير مخدوع!

drbmaz@

أضف تعليقاً

Add Comment