أحمد صالح حلبي

الكتاتيب في مكة المكرمة

الخميس - 02 يوليو 2020

Thu - 02 Jul 2020

قد لا أكون مبالغا حينما أقول إن فترة الحجر المنزلي منحتني الوقت الجيد للبقاء داخل مكتبي المنزلي متنقلا بين أرففه باحثا عن كتاب يحمل معلومة تنمي ثقافتي وتسد ظمئي، وجاء كتاب «الكتاتيب في الحرمين الشريفين وما حولهما»، لمؤلفه الدكتور عبداللطيف عبدالله بن دهيش، في طبعته الثالثة الصادرة عام 1418هـ/1997م، ليمنحني فرصة الإبحار بين صفحاته، متنقلا بين مرافئها قارئا للكتاتيب كمراكز تعليمية، برزت قبل دخول التعليم النظامي إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وازددت تعلقا بالكتاب وقراءته لكون نسخته من الطبعة الثالثة التي قال المؤلف في مقدمتها إن «هذا الكتاب يتحدث عن فترة تعليمية مهمة في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة وما حولهما لم يكتب عنها في المصادر التاريخية المعاصرة تغطي أكثر من سبعين عاما من الزمن (1295 ـ 1373 هـ الموافق 1878 ـ 1953 م)، مما أدى إلى نفاد الطبعتين الأولى والثانية من هذا الكتاب، وقد دفعني هذا إلى إصدار الطبعة الثالثة»، وإن حرص المؤلف على التعريف بأهمية الكتاب فإنه جعل بداية حديثه عن معاهد التعليم الإسلامي ونشأتها ليوضح مدى «اهتمام الكتاب بتدريس الأطفال الصغار القرآن الكريم»، مشيرا إلى وجود القراءة والكتابة في مكة قبل ظهور الإسلام، مستندا في ذلك على ما أورده أحمد البلاذري في فتوح البلدان تحقيق صلاح الدين المنجد ص 579 ـ 583 بقوله «إن عدد القرشيين الذين كانوا يعرفون القراءة والكتابة عند ظهور الإسلام بلغ سبعة عشر رجلا».

وحرص المؤلف على توثيق معلوماته، وهذا ما اتضح في حصره لأعداد الكتاتيب والطلاب باستناده إلى «أول تقرير رسمي للحكومة العثمانية عن ولاية الحجاز، والذي صدر عام 1301 هـ بأنه كان بمكة المكرمة عام 1301 هـ (الموافق 1883 ـ 1884 م) ثلاثة وثلاثون كُتَّابا، فيها 1150 طالبا، موزعة في جميع أنحاء مكة المكرمة على النحو التالي: سوق الليل 4، القرارة 5، القشاشية 3، شعب عامة 5، النقا 1، السليمانية 1، المسفلة وجياد 1، الشبيكة 4، حارة الباب 3، الشامية 6).

كما أورد تأكيد القنصل البريطاني في جدة في تقريره «الذي كتبه عام 1889م الموافق 1306 هـ اهتمام أهالي مكة المكرمة بالتعليم، وأن الكتاتيب الخاصة التي تقوم بتأسيسها الطبقة المثقفة في هذه المنطقة، تجد إقبالا شديدا من أبناء مكة وغيرها».

وصنف المؤلف الكتاتيب إلى خاصة بتدريس القراءة والكتابة والقرآن الكريم وبعض العلوم الأخرى، ويبلغ عددها 27 كتّابا، ومنها كتّاب السناري الذي أسسه الشيخ عبدالله حمدوه السناري عام 1300 هـ، وكتاتيب خاصة بتعليم الخط وتبلغ أحد عشر كتّابا، ومنها كتّاب الشيخ محمد طاهر عبدالقادر الكردي، الذي ألف كتابا عن فن الخط العربي.

وفي سرده للكتاتيب تناول الدكتور عبداللطيف الحديث عن الكتاتيب الخاصة بالفتيات في مكة المكرمة والتي بلغ عددها ستة عشر كتّابا، ومنها كتّاب المدرسة الصولتية الذي تأسس عام 1340 هـ في حارة الباب بالقرب من المدرسة، واستمر حتى عام 1383 هـ وكان عدد مدرساته أربعا، وطالباته 140 طالبة.

ولكون المؤلف تناول الكتاتيب في الحرمين الشريفين، وما نأمله أن تسعى وزارة التعليم بالتعاون مع وزارة السياحة إلى توثيق الكتاتيب وحلقات التعليم في الحرمين الشريفين، من خلال متحف خاص بالتعليم يكون في مكة المكرمة على غرار متحف عمارة الحرمين الشريفين، ويفتح أبوابه أمام الزوار من المعتمرين والحجاج ليطلعوا على المسيرة التعليمية التي عاشتها هاتان المدينتان، قبل بروز التعليم النظامي.

أضف تعليقاً

Add Comment