سالم الكتبي

الحوثي وخطر الميليشيات المغيب عالميا

الاحد - 28 يونيو 2020

Sun - 28 Jun 2020

قلنا مرارا وتكرارا إن تجاهل المجتمع الدولي لتفشي ظاهرة الميليشيات الإرهابية المتطرفة في مناطق شتى، وتمركزها بشكل واضح في منطقة الشرق الأوسط، يمثل قبولا ضمنيا باستمرار أحد أهم الأسباب والعوامل التي تغذي التوتر والفوضى والاضطرابات، وتتسبب في تقويض الأمن والسلم وغياب الاستقرار في هذه المنطقة من العالم.

والمؤكد أن وجود الميليشيات والتنظيمات، بغض النظر عن مرجعياتها وأهدافها وجذورها الأيديولوجية والدينية والفكرية والسياسية إن وجدت، يعمل في اتجاه مضاد تماما لفكرة الدولة الوطنية التي تمثل إحدى ركائز الأمن والسلم الدوليين في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وقيام الأمم المتحدة وإعادة التأكيد على أهمية دور الدولة الوطنية التي نشأت تاريخيا عقب «صلح وستفاليا» الشهير عام 1648، وبالتالي فإن عودة هذه الظاهرة البغيضة كي تتوسع وتتمدد جغرافيا بشكل ممنهج وفقا لأهداف ومصالح قوى إقليمية تمتلك أجندات توسعية طائفية وأخرى تسعى لاستعادة أمجاد تاريخية غابرة، كان يمثل منذ بداية هذا الظهور مؤشرا خطرا لم يتحرك المجتمع الدولي ضده بالشكل الذي يتناسب مع خطورته وتأثيراته السلبية البالغة على الأمن والاستقرار الإقليميين.

صحيح أن تنظيمات الإرهاب مثل «داعش» و«القاعدة» بفروعها ومن يواليها من جماعات إرهابية تمثل رأس حربة الخطر الذي كان ولا يزال يستحق المواجهة وتضافر الجهود الدولية ضده، ولكن هناك تنظيمات أخرى عابرة للسيادة الوطنية في دول عربية مختلفة، تستحق المستوى والقدر أنفسهما من المواجهة والمجابهة، ليس لأنها تسببت في انهيار الدول وتفشي الفوضى والاضطرابات وانعدام الأمن فحسب، ولم تكتف بتوفير بيئة آمنة للإرهاب والفكر الإرهابي كي يعيد الاصطفاف والانتشار ويتخذ من تلك الدول والمناطق نقاط تمركز جديدة، ولكن بعضها بات تربطه علاقات تحالف مشبوهة مع جماعات الإرهاب بحكم تلاقي المصالح والأجندات مثلما يحدث حاليا في ليبيا، حيث تتقاطر السفن التركية حاملة عناصر إرهابية تشارك في دعم حكومة السراج في طرابلس!

ومن أخطر الجماعات الطائفية التي تمثل أحد أذرع المشروع التوسعي الإيراني جماعة الحوثي في اليمن، والتي لا تزال ترتهن مستقبل هذا البلد العربي لأهدافها ومصالح من تعمل لمصلحته بموجب وكالة سياسية واضحة المؤشرات والدلائل، حيث لا تكف هذه الجماعة عن تهديد الأمن والاستقرار في المملكة العربية السعودية بعد أن تعمدت إغلاق كل أبواب التسويات السياسية للأزمة اليمنية، والرهان على قدرتها على التعايش مع هذه الحالة غير المسبوقة من الفوضى التي زجت اليمن فيها.

وبالأمس القريب، سعى الحوثي مجددا إلى تذكير العالم بقدرته على تقويض الاستقرار مستهدفا عاصمة المملكة الشقيقة، الرياض، بما أسماه بـ «عملية واسعة في العمق السعودي»، بصواريخ باليستية وطائرات إيرانية مسيّرة تم اعتراضها بشكل فعال من جانب الدفاعات الجوية السعودية قبل وصولها إلى أهدافها، في عمل إرهابي استهدف المدنيين والمناطق المدنية في العاصمة.

ورغم أن جائحة «كورونا» تشغل العالم بكل دوله شرقا وغربا، عما عداها من أزمات وقضايا وتوترات، فإن من الضروري أن يستعيد المجتمع الدولي بوتيرة سريعة ذاكرة الأزمات، ويعمل على إيجاد حلول استئصالية تقضي على هذه التنظيمات أو على الأقل تحرمها مصادر تمويلها وتقطع الروابط التي تجعل منها أداة طيعة بيد مموليها، وتتصدى بشكل واضح وصارم للأنظمة التي تخوص حروبا بالوكالة في دول أخرى، وفي مقدمتها ملالي إيران، الذين يستخدمون ميليشيات الحوثي وغيرها كأدوات في صراعات النفوذ والهيمنة وإعادة هندسة المنطقة بما يتوافق مع مصالحهم الطائفية البغيضة على حساب سيادة ووحدة أراضي دول وشعوب عربية وقعت في براثن فخ الفوضى منذ عام 2011 حتى الآن.

ندرك جميعا أن مرحلة ما بعد «كورونا» في العلاقات الدولية لن تكون كما قبلها، وأن النظام العالمي القائم بحاجة إلى سنوات كي يستعيد عافيته ويعاد تأطيره ورسم و»هندسة» قواعده ومعاييره الجديدة وفق مخرجات هذه الأزمة المعقدة، التي لم تكشف عن كثير من تأثيراتها وتداعياتها بعد، ولكن يجب أن ينتبه الجميع إلى أن الصمت عن هذه الميليشيات يمنحها الوقت الكافي لتحقيق أهدافها الكارثية، ويسهم في تقويض الأمن والسلم الإقليمي والعالمي، ويغذي أجواء الصراع والفتن الطائفية، ويشجع سيناريوهات الفوضى غير الخلاقة التي أفرزت لمنطقتنا كل هذا الكم من العبثية والأزمات التي أصبح بعضها خارج حدود السيطرة!

كما لا يمكن فهم الصمت الدولي حيال ممارسات الحوثي وتهديداته المتكررة لأمن واستقرار دولة ذات ثقل استراتيجي إقليمي كبير كالمملكة العربية السعودية الشقيقة، بمعزل عن عجز العالم عن التصدي لطموحات ملالي إيران ومشروعهم الطائفي، فضلا عن برنامجهم النووي والصاروخي، وهو عجز ناجم بالأساس عن تباين المصالح والخلافات بين القوى الكبرى، ولكن الجميع سيدفع ثمن هذا العجز والصمت واللامبالاة.

salemalketbiar@

أضف تعليقاً

Add Comment