X
عمار براهمية

الفصل والاتصال مقابل التفاصل والتواصل

الاحد - 07 يونيو 2020

Sun - 07 Jun 2020

ستستمر الحياة مهما كانت الظروف، لكن ستتغير معها الأفكار والتوجهات والتحالفات ومختلف جوانب الحياة، إنها حقيقة مدركة ومؤكدة، فيا ترى هل يكون في هذا التغير نصيب يخدم شعوبا تنتظر ذلك؟

الواقع والظاهر أن العالم بمجرياته الحالية يعبر عن حالة يأس وكره لواقعه، ليتحول لوجهة لم تكن مألوفة خلال العقود الماضية، والمتمثلة في موجات الفوضى الضمنية التي أفصحت عن كبر حجمها تجاه قضايا قد تكون حتى فردية، إلا أنها تفتح بابا لطرح قضايا جوهرية، كما حدث في تونس مع البوعزيزي ومؤخرا مع جورج فلويد في الولايات المتحدة الأمريكية.







ورغم ما تجسد من تطور فيه من الرفاه والتيسير والسرعة في تنقل الأفراد والأفكار والمعلومات وكل ما هو من محتويات الحياة، مقابل صعوبات الخصوصية حتى في الحياة الفردية، وفق معطى التفاصل والتواصل وتصاعد موجة الفصل والاتصال، اختلطت هذه المفاهيم بركائز التكنولوجيا المتوفرة فقدمت ثنائية تسهيلات وتعقيدات لم تكن في الحسبان، حيث يعبر الفصل والاتصال عن تلازم سهولة ربط الأحداث مع فصلها عن مصدرها ومغزاها، للوصول إلى بديهية الاتصال السريع لنقلها بمحتويات جديدة دون معالم ولا إحداثيات إلزامية، أما ازدواجية التفاصل والتواصل فترتبط بعملية الانتظار لمتابعة الأحداث ثم التواصل لتدوير محتوياتها في سبيل استمرارها وصناعة ذلك بشكل آخر ولو بظاهر متفاصل.

فالآن أغلب الأفراد لديهم صفحات معروضة وأصدقاء افتراضيون وعلاقات غير ملموسة، وفي خضم كل ذلك تأثيرات كبيرة غير محسوبة، هذا بجانب التجمعات الافتراضية ونقاشاتها التي لم تعد جانبية، ليتحول كل ذلك ضد من أسسوا لعولمة الكرة الأرضية وفق منهجهم للانفتاح المطلق وتكريس منطق اللاخصوصية حتى في الحياة الفردية، لكن في تناقض صريح مع اعتقادهم الراسخ أنه من الحرية التقيد باحترام الخصوصية التي لم تصبح من المدركات السهلة في الحياة اليومية؟

كل الأمور مسجلة ومخزنة وموثقة الكل مراقب والكل يراقب والكل متفاعل، الآن يمكننا سماع حتى الفوضى الداخلية لكل حياة حتى ولو كانت فردية، إنها إشكالات ساهمت في بداية النهاية للحياة السابقة التي كانت جد طبيعية رغم بساطتها إلا أنها ومع صعوبتها ستبقى في أذهاننا من أجود النوادر التي لم تبق منها إلا الروايات أو الذكريات وما يمكن تقديمه من محاكاة افتراضية أو تمثيلية.

ومن باب الأمانة في الاستدلال يمكن طرح سؤالين: من وثق فيديو مقتل الأمريكي جورج فلويد؟ ومن كذب الرواية البوليسية التي اتهمته بالمقاومة بعدم الانصياع للأوامر الشرطية؟ أليست الركائز التكنولوجية نفسها وما فيها من تداول للأحداث وتمريرها لكل المعمورة بسرعة قياسية بتسجيلات ليس من السهل أن تكون منسية؟

لنعد بالحديث إلى محتويات الخصوصية التي لم تجعل مجالا لإدارة شؤون العامة إلا وعقدته، فتعاظمت معها نسبة المشاغبة التي هزت كيان الإمبراطورية العصرية التي سبق أن مهدت لتغيير العصور التكنولوجية، وأقفلت العملية بالتهام حضارتها القاسية ضد كل خصوصية فردية ودينية وهوية وكل ما تنبع به البشرية، وكل ذلك أصبح في خبر التداول لتغيير الموازين الدولية التي لا محالة ستؤثر في مستقبل العلاقات الإنسانية بما فيها الدولية، لأنها ستتغير معها مبادئ الحقوق الإنسانية، خاصة إذا أطلت على مشارف وقع سقوط أكبر قوة سادت منذ آخر حرب عالية، فهل هذا سيخدم ما طرح من سؤال الشعوب التي تنتظر نصيبها من هذا التغير؟

الأكثر قراءة