طلال الشريف

تجريم العنصرية

السبت - 06 يونيو 2020

Sat - 06 Jun 2020

إبليس حينما أمره الله تعالى بالسجود لآدم، قال «أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين»، في صورة من صور العنصرية المقيتة، ليكون أول من نادى بالعنصرية ومارسها تحقيقا لقسمه في غواية الإنسان إلا من أخلص لله تعالى، لتصبح العنصرية مرضا اجتماعيا مزمنا، عجز الدين والعلم والتحضر الإنساني عن علاجه.

والعنصرية قديمة قدم الإنسان وإن تباينت أشكالها، وستبقى ما بقي إبليس وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وهي ببساطة فكر وسلوك يمتهن التمييز والإقصاء والتهميش بين البشر على أساس الدين أو اللغة أو العرق أو اللون أو الأصل أو الانتماء الوطني أو الديني أو المذهبي أو الوظيفي أو العادات أو الثقافات أو المنشأ أو الجنسية وغيرها. وتكمن خطورتها في بث مشاعر الكراهية وتفتيت الوحدة الوطنية تحت ذرائع واهية ووعي قاصر بأصل الحياة الإنسانية وطبيعتها وتطورها وعلاقاتها المشتركة.

والمتابع لوسائل التواصل الاجتماعي، خاصة تويتر، يلحظ شيوع التغريدات العنصرية في مجتمعنا، في وقت نحن بأمس الحاجة فيه إلى تعزيز وحدتنا الوطنية في ظل استهدافنا المعلن من قبل قوى خارجية إقليمية، ومن أصحاب الأجندات الخاصة في الداخل، مما قد يؤدي إلى نشر الكراهية بين أبناء الوطن الواحد وإضعاف بنية المجتمع وتهديد المشروعات التنموية، وفقدان الثقة بين أفراد المجتمع، وقد يذهب بنا لا قدر الله إلى أعمال عنف لا تحمد عقباها على الوطن ومقدراته ومكتسباته. ولسنا ببعيد عما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية هذه الأيام لنأخذ العبرة من نتائج العنصرية ومخاطرها مهما كانت قوة الدولة ومكانتها.

وبكل شفافية يبدو أن هناك خطاب كراهية منظما وليس عفويا لا مبرر له، يجب رصده ومتابعته من قبل الجهات المختصة والعمل على وأده وإيقاف ومحاسبة كل من يسعى إلى تقويض أركان وطننا ودعائم الحكم القائمة على العدالة والمساواة بين المواطنين.

يقول نيلسون ما نديلا «لا يوجد إنسان ولد يكره إنسانا آخر بسبب لون بشرته أو أصله أو دينه، الناس تعلمت الكراهية، وإذا كان بالإمكان تعليمهم الكراهية، إذن بإمكاننا تعليمهم الحب، خاصة أن الحب أقرب لقلب الإنسان من الكراهية».

وما أحوجنا في هذا الوقت بالذات إلى تعليم الناس الحب بدلا من الكراهية، وصياغة خطاب وطني مناهض لخطاب العنصرية والكراهية، يقوم على رفع مستوى الوعي والتثقيف بمخاطر العنصرية والكراهية بين أفراد المجتمع، من خلال المؤسسات التربوية الرسمية ومؤسسات المجتمع التربوية الأخرى كالأسرة والمسجد، مستندا على ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية في نبذ العنصرية والمساواة بين البشر، ونشر الرسائل الإيجابية في منصات ووسائل التواصل الاجتماعي التي تعزز روح المحبة والتسامح والمواطنة، والتعاون مع الجهات المختصة في الإبلاغ عن خطابات الكراهية المقيتة، ودعم الفئات المستهدفة من خطاب الكراهية بتعزيز الثقة بهم وبدورهم ووطنيتهم، وتبني الإعلام بكل صوره برامج توعوية تدعو إلى نبذ العنصرية فكرا وممارسة وفق استراتيجية إعلامية وطنية.

ومع تبني الخطاب المناهض لخطاب الكراهية يجب إصدار قانون وطني يجرم العنصرية وخطاب الكراهية، ضمن هيئة اعتبارية وطنية مستقلة تنشأ لأغراض مكافحة العنصرية وتعزيز الوحدة الوطنية، أو إسناد هذه المهام إلى جهاز أمن الدولة لمنحه القوة اللازمة في مراقبته ومتابعته وتنفيذه.

drAlshreefTalal@