x
عبدالله علي بانخر

الإنفاق الإعلاني العربي عام 2019 قراءة متتالية في جدلية الخير المفقود (2-2)

الخميس - 21 مايو 2020

Thu - 21 May 2020

كنا قد خلصنا في المقال السابق من استعراض الإنفاق الإعلاني في المنطقة العربية في عام 2019م وفقا لتقرير شركة إبسوس العربية الصادر مؤخرا. وقد كان الرقم الصادم الأول في ذلك التقرير هو ما تم رصده فعليا بحدود 22 مليار دولار أمريكي، والذي لا يتناسب مع اقتصاديات المنطقة العربية أصلا.

ووفقا للأخذ بمعدلات الإنفاق الإعلاني العالمية مقارنة بإجمالي الناتج المحلي لدول المنطقة وبالتحديد دول الخليج العربي ومصر. وبناء على متوسط 1.5%من إجمالي الناتج المحلي عند حدود 2.7 تريليون في عام 2019م تستحق الدول العربية على الأقل 40 مليار دولار أمريكي من الإنفاق الإعلاني سنويا. كما ذكرنا أيضا أن الفارق الكبير والمرصود من إبسوس العربية بنحو 18 مليار دولار أمريكي عن التقديري الفعلي والمتدني أصلا والمقدر بنحو 4 مليارات دولار أمريكي.

وهكذا أصبح كامل إجمالي الفاقد المفترض لهذا السوق والمرصود تقديريا في حدود 38 مليار دولار أمريكي. ولذا تقدر قيمة هذا الفاقد بما يعادل تقريبا 2.5 مليون وظيفة بدخل سنوي يقدر بـ 15 ألف دولار أمريكي لكل وظيفة. وبعيدا عن تلك المؤشرات الكلية بالعموم في ذلك التقرير قبل الدخول قليلا في بعض تفاصيله الجزئية، عادة ما يكمن الشيطان في تلك التفاصيل الجزئية.

وقد رصد تقرير إبسوس العربية لعام 2019 ترتيب الدول العربية الرئيسة وفقا للإنفاق المرصود كالتالي: تأتي مصر في المرتبة الأولى بإجمالي يصل إلى حدود 7 مليارات دولار أمريكي، تليها الوسائل عبر الدول العربية بنحو 6 مليارات دولار ثم الإمارات في المرتبة الثالثة بنحو 1.8 مليار دولار. أرجو ملاحظة الفارق الكبير في المراتب الأولى والثانية ثم المرتبة الثالثة. إلا أن نصيب المرتبة الرابعة للسعودية يأتي بإجمالي قدره 1.4 مليار دولار أمريكي. وتأتي لبنان على استحياء في المرتبة الخامسة بإجمالي قدره 1.3 مليار دولار أمريكي.

وهذه المراتب الخمس الأولى كما وردت في التقرير هي الدول الأكبر رصدا للإنفاق الإعلاني. ولكن هذا الترتيب يختلف جذريا وتماما عند احتساب التقديري المتحقق لتلك الدول أو للمراتب الخمس الأولى الأهم والأكبر، حيث تتهاوى القمم الثلاثة الأولى والخامسة ما عدا السوق السعودي أمام التقديري المقدم من إبسوس. كما نجد أن الدول الأولى من حيث الإنفاق الإعلاني وهي مصر تحصل تقديريا من إبسوس العربية على أقل من 400 مليون دولار، أي أقل من نصف العشر تقريبا من أصل 7 مليارات دولار مرصودة. ربما الفروقات النقدية للعملة المصرية في السنوات الأخيرة كانت وراء ذلك بعد تأثيرات ما سمي بالربيع العربي. ولكن مكمن الخطر الحقيقي في غياب أرقام معتمدة ومدققة للمشاهدة علاوة على حروب الأسعار والسداد بين الفضائيات التليفزيونية. وإذا كان هذا الوضع المعيب في سوق الإعلان في مصر، وهو الأعلى إنفاقا مرصودا وكذلك تقديرا من إبسوس العربية. وفي المرتبة الثانية تأتي حصة ونصيب الوسائل عبر الدول العربية Pan Arab Media. إنها حصة كبيرة أيضا والتي يصل مقدارها إلى ما يزيد على 6 مليارات دولار أمريكي.

وتظل وتبقى وتدوم حصة الوسائل عبر الدول العربية Pan Arab Media من الأكبر رصدا والأوفر حظا في المنطقة منذ عقود ثلاثة.

إن مفهوم أو مصطلح وسائل عبر الدول العربية ابتدعه الإخوة اللبنانيون وهم الأسبق في مجال التسويق والترويج والوكالات التجارية في المنطقة منذ الستينات بعد سياسات التأميم المصرية.

ومع الحرب اللبنانية في السبعينات وخروج الصحافة اللبنانية المهاجرة في أوروبا سميت صحفها جرائد ومجلات بهذا الاسم كوسائل عبر الدول العربية.

واستمرت النزاعات والمناوشات على حصة ما كان يطلق عليه الإعلان الدولي من خلال الوسائل عبر الدول العربية في أوج قمتها في الثمانينات بين المؤسسات الصحفية العربية الكبرى.

ولعل مؤتمر آفاق الإعلان العربي في مصر عام 1986م أحد الشواهد الحاضرة في الأذهان دائما والدامية لفظيا ودراميا على كعكة الإعلان في العالم العربي. ولن نخوض كما وعدتكم في التفاصيل لأنها محرجة ومؤذية وقاسية، وربما هي مناطق خلاف وليس اختلاف.

وما إن بدأت الفضائيات العربية في أوائل التسعينات من القرن الماضي وتعاظم حجم ودور هذا المصطلح حتى برزت الفضائيات عبر الدول العربية حقا ممثلة للتعبير أو المصطلح عبر الدول العربية. وبعد أن كان التنافس بين المؤسسات الصحفية الكبرى في المنطقة على هذا التصنيف تحول فجأة إلى الفضائيات التليفزيونية، خاصة الخاص منها أمام سحب البساط من الفضائيات الحكومية. ولكن للأسف الشديد نرى تهاوي هذا الإجمالي المرصود فوق 6 مليارات دولار أمريكي إلى 10 %من هذا الرقم، ليقف تقديرا عند فوق حدود 600 مليون دولار أمريكي. ومرة أخرى نجد السقوط الشنيع وسوف نعود لهذا الإجمالي والتقديري مرة أخرى بعد قليل عند الحديث عن حصة السوق السعودي.

ثم تأتي دولة الإمارات في المرتبة الثالثة عربيا من حيث الإنفاق الإعلاني بإجمالي المرصود عند حدود 1.8 مليار دولار أمريكي، وعند حدود إجمالي تقديري من إبسوس العربية بـ 700 مليار دولار، أي تقريبا فوق ثلث رقم الإجمالي المرصود. صحيح أن الفارق أقل عن المرتبتين الأولى والثانية من حيث التضخم المرتفع والانخفاض المقدر والمقدم، أكيد في صورة خصومات وعمولات وحوافز مفقودة على اقتصاديات السوق.

وختاما نصل للسوق السعودي الذي يأتي في المرتبة الرابعة من حيث الإجمالي المرصود في حدود 1.4 مليار دولار. ثم نجده في المرتبة الأولى من حيث التقديري من إبسوس بأقل نسبة خصم تصل إلى الثلث تقريبا.

وهنا يبرز السوق السعودي في المرتبة الأولى عربيا من حيث إجمالي الإنفاق المرصود والأقل حسما في التقديري للمراتب الأربع الأولى بعد مصر وعبر الدول العربية والإمارات. وقد يبدو الأمر على وجاهته جيدا إلا أن السوق السعودي يظل للأسف الشديد مغبونا إعلانيا. ويكمن هذا الغبن في أن ما يزيد على 90%من الوسائل عبر الدول العربية هي أصلا وسائل سعودية الاستثمار والتوجه للمشاهد والقارئ في السوق السعودي تحديدا. وبإضافة 90%من إجمالي الرقم المرصود للوسائل عبر الدول العربية أو على الأقل التقديري المحتسب نهائيا من إبسوس العربية يصبح السوق السعودي الأول إجماليا في الإنفاق الإعلاني عند حدود 7 مليارات دولار وعند حدود تقديرية من إبسوس العربية تصل إلى حدود 1.7 مليار دولار.

ويبقى السوق السعودي الأكبر إعلانيا إجمالا وتقديرا رغم الغبن الواقع والنهب الملحوظ أو الذي يغض عنه الطرف دائما وأبدا. ويبقى الخير في السوق السعودي حاضرا ومستقبلا في ظل رؤية المملكة 2030 طبعا إذا تم الأخذ بأسباب الإمساك بزمام الأمور الإعلانية لخفض الفارق بين الإجمالي المرصود والتقديري المعلن بشكل أفضل مهنية واحترافية أكثر، والحديث عن السوق الإعلاني السعودي دائما مستمر.

ليس تحيزا أو مجاملة ولكنها حقيقة يفرضها واقع الاقتصاد السعودي وأهميته وثقله ليس فقط في المنطقة العربية فحسب ولكن في العالم أجمع. فلا غرابة أن يمثل الاقتصاد السعودي المرتبة 18 من أكبر 20 اقتصادا في العالم، ويتوقع له القفز إلى المرتبة 15 خلال السنوات القليلة المقبلة بإذن الله. وبكل التفاؤل والأمل أقول لكم جميعا: كل عام وأنتم جميعا بكل الخير. ودام خيرك يا وطن.

@aabankhar

أضف تعليقاً