x
عبيد أحمد المالكي

بين أعيادي

الخميس - 21 مايو 2020

Thu - 21 May 2020

من المقرر المتفق عليه أن الحياة ومن فيها عرضة للتغير والتبدل والتقلب من حال إلى حال، فنشاهد الإنسان مثلا منذ بداية خلقه إلى خروجه من هذه الدنيا، متقلب الأطوار متغير الأفكار غرضا للشبيبة والشيبة للصحة والمرض للغنى والفقر للفرح والترح، وهكذا تتقابل الثنائيات في منعطفات الحياة أمامه، لتشكل منه شيئا آخر.

أعود كما عاد هذا العيد أعاده الله علينا وعليكم وعلى بلدنا قيادة وشعبا وعلى الأمة الإسلامية جمعاء بالخير واليمن والبركات، أعود لأقول (بين أعيادي) فكيف أكون بين أعيادي؟ لقد عشت - ولله الحمد - بين أعياد مختلفة على رقعة من الزمن، يمكن حصرها في أربعة أصناف، الأول: في زمن الطفولة منذ أن أدركت معنى العيد إلى أن بلغت في دراستي الصف الثاني المتوسط، ويمكن تسميته (عيد القرية)، إذ كانت أسرتنا - رحم الله الأموات منهم وحفظ الأحياء - وأعني بالأسرة الآباء والأمهات والأجداد والجدات والأعمام والعمات والأخوال والخالات ومن في حكمهم وأولادهم، ومن يجاور في القرية من غير أهلها، يجتمعون ليلة عيد الفطر (الذكور منهم) عند (خامس البيت) قائد الأسرة، أو عند أوسطهم دارا في القرية، أو عند أحدهم لهدف معين، ليهنئ كل واحد منهم الآخر بالعيد السعيد، مصطحبين معهم صحفة (صحنا) مملوءة من دقيق الدخن أو الذرة ذي ملمس ناعم يسمى (العيش) ومعها السمن وربما أتي معها بالحليب واللبن، فيحفرون وسطها بعدما تنخفض درجة حرارتها (وكرا) يصبون فيه السمن، وقد يبدلون منه الحليب أو اللبن إذا لم يوجد، وقد يمزجون بين السمن والحليب أو بينه وبين اللبن، وهذه هي الأكلة المناسبة للكبار، فإذا بقي صبابة من السمن سكبه بعض كبار السن على رأسه ودهن به ما ظهر من جسده في فرحة عارمة. ولكن ما أكلة ليلة العيد المناسبة لذائقة الأطفال حينها؟ إنها رقائق (قرصان) الدخن أو الذرة المحمصة على نار الحطب الطبيعي أو مواقد الغاز لاحقا، تخلط تلك الرقائق عادة بالسمن والحليب أو اللبن ويضاف لها السكر، لتظهر أكثر حلاوة فيقبل عليها الصغار فيذروها قاعا صفصفا؛ فرحة بالعيد وتنافسا بين الأقران، وقد تستمر هذه العادة لليلتين أو لثلاث ليال.

وبعد تبادل التهاني والانتهاء من تناول وجبة ليلة العيد يرجع كل منهم إلى منزله، ليكونوا مستعدين لأداء صلاة العيد في مصلى خارج بنيان القرية، لابسين أجود ملابسهم، وأغلبها ذوات الألوان البيضاء دون (كيّ) لها، وإن استعملوا (المكواة) المحملة بالجمر في بطنها فإما أن تحرق ثيابهم وإما أن تفسد جزءا منها بالرماد المتناثر من فتحات جوانبها، واضعين فوق ملابسهم البيضاء (المصانف) المعلمة بألوان مختلفة، لتعطي مزيدا من الجمال لمن يلبسها، خاصة كبار السن أو الوجهاء منهم، مرتدين على رؤوسهم (الرطلية) براء مشددة مكسورة وطاء ساكنة ولام مكسورة وياء مشددة مفتوحة، وهي تعني الشماغ أو الغترة، واضعين عليها (الشطافة) بشين مشددة مضمومة وطاء مشددة مفتوحة وفاء مفتوحة أي: العقال يرمونه على قفيهم، وقد يكون باسم الثغر كما ابتسمت شفاههم في ذلك اليوم.

هذا لبسه عند كبار السن، أما الشباب خاصة الذين ذهبوا لأجل الوظائف إلى المدن فهم أكثر تأنقا، وقد يردفون - كبارالسن - فوق ذلك لبس (الجنابي والقدامى) وفي أيمانهم المحناة العصي مختلفة الأنواع والفوائد، مستمتعين بصدحات حناجرهم بالتكبير والتهليل والتحميد، رجالا أو ركبانا، وركائبهم يومئذ هي الحمير والجمال وبعض السيارات التي لا تخرج على أربعة أشكال هي: (الشاصات أو الونيتات أو الجيوب الحبة والربع والنص أو القلابات الصغيرة)، تعلق على مراياها الداخلية - ما يسمى (كثلة) وهي متدلية إلى أسفل في حجم يد الإنسان، أو على أعلى الزجاج الأمامي وعن جانبيه ويسمى (المحجر) - ما صنعته أيدي نسائهم من خرز (الخريان) بضم الخاء وفتح الراء وياء مشددة مفتوحة، وهي حبات دقيقة جدا مختلفة الألوان تنظم مع بعضها في صور منوعة منها ما ذكر اسمه آنفا، وهي تعطي السيارة نوعا من الزينة التي يتذكر من خلالها سائقها زوجته حيثما حل أو ارتحل، ثم يعودون لمنازلهم وقد تعود كل منهم التوسعة على أولاده فيذبحون ذبيحة العيد، مما يملكونه أو يبتاعونه، لكي يجتمعوا عليها مجددا قبيل الظهر، يقدم عادة اللحم دون شيء آخر، بحيث يكلف من له خبرة بتقطيعه قطعا صغارا، يسمون ذلك الصنيع (التحقيق)، ليصل إلى أيدي الجميع ذكورا وإناثا صغارا وكبارا، ثم أضافوا إليه الأرز لاحقا، وقد يحيون الرجال شيبا وشبابا ذلك اليوم الفرائحي برماية الأهداف ببنادقهم، لغرض المنافسة وإثارة الحماسة بينهم.

ولا يعني ما قدمت أن الاجتماع والفرحة بالعيد فقط للرجال، بل كان النسوة يجتمعن، خاصة يوم العيد نهارا، مصطحبات معهن بعض الأكلات كـ (الخبزة) مثلا، وإدامها من السمن والمرق (السليقة)، وترامس القهوة والشاي، وقد تحمل العجائز معهن (الفراحة) من بسكويت المداح أو القشطة أو الحنبص (الحمص) في ثناياه حلوى مختلفة الألوان قاسية المضغ تسمع فرقعاتها كقصف الرواعد تحت أضراس الأطفال، وربما تطاير بعضها داخل أفواههم وخارجها، لابسات (السدر) السوداء مفردها (سدرة) بضم السين وسكون الدال وفتح الراء، وتلك السدر أنواع ثلاثة مختلفة الشكل والسعر أيضا، الأولى: (المقطعة) لأنه يخترق لونها الأسود خيوط دقيقة مختلفة الألوان والأشكال طولا وعرضا، والثانية: (المشقرة) وهي التي تجيء فيها الخيوط مختلفة الألوان بالطول فقط من الجانبين، والثالثة: (المشالة) وهي ذات أكمام واسعة تبرز بعض أطراف اليدين وترفع على الرأس حين العمل كيلا تعوقها.

ومع أن الألوان السوداء قد تكون في نظرنا غير مناسبة لهذا اليوم، إلا أنها تبرز جمال المرأة في عيون زوجها فكأنها البدر أحاطته سحب قاتمة، ويزداد جمالها باكتحالها بالإثمد الأسود، متوجات تلك الألبسة بالحلي من الفضة الخالصة، فمنه حلق الآذان، ومنه ما يلبس على الجبهة ويسمى (القطيطة)، ومنه ما تحاط به الأعناق ويسمى (المخانق)، ومنه ما يلبس على الصدر ويسمى (اللازم) وهو (الرشرش) بمسمى اليوم، ومنه ما يلبس على أعضاد اليدين ويسمى (المعاضد)، وربما لبست إحداهن (الحزام) المفضض، بالإضافة إلى خواتم اليدين المحناة هي والأقدام أيضا، فلا تسمع إلا موسيقى ذلكم الحلي ونغماته، ولا تبصر عيناك إلا وميض البروق تشع من أطراف أجسادهن، وحينها يتبادلن التهاني بينهن ويفتحن نوافذ الذكريات، ليطفح البشر والسرور على محيا الجميع.

وليست فرحة العيد محصورة على الكبار، بل إن صغارهم ليسعدون به ويبتهجون بتلك الاجتماعات الحميمية، والتنقل في مسارب القرية وطرقها الترابية الضيقة وبيوتاتها المتواضعة، مع ما ينتظرهم مما تنفح به أيدي العجائز مما سلف ذكره. ومن طقوس العيد المهمة: (المعايدة)، فقد كان الرجال في هذا اليوم يعطون قريباتهم من النساء المتزوجات مبلغا وفق قدراتهم المادية، ليزيدوا من أواصر القربى ومباهج العيد، وقد كنت مرسول أبي - رحمه الله - لمعايدة قريباتنا، ولن أنسى ذلكم الابتهاج منهن - رحم الله من لقيت ربها وحفظ من بقي منهن - بتلك العيديات، وإن كانت رمزية.

هذا هو الصنف الأول من أعيادي التي أدركتها، ويبدو أن الحديث عنه قد استنفد مساحة المقالة، لذا سأعرج بإيجاز على الثلاثة الباقية فإليكموها، الثاني: ويبدأ منذ انتقالنا من القرية إلى إحدى المدن الكبرى عام (1412)هـ حتى عودة أبي - رحمه الله - إليها قرابة عام (1423) هـ، ولا شك أن العيد في المدينة يختلف عن عيد القرية من حيث الأسرة والمكان والزمان والمطعومات والطقوس المصاحبة لهذه المناسبة، وفي هذا السياق أذكر أن أبي - رحمه الله - في أول عيد لنا في هذه المدينة قال قصيدة مبكية محزنة مع أننا في يوم فرح، تذكر من خلالها (عيد القرية) بكل تفاصيله.

الثالث: وينطلق منذ عودة أبي - رحمه الله - إلى القرية حتى عيد هذا العام (عيد زمن كورونا)، وهنا هل عيد القرية بعد عودة والدي - رحمه الله - إليها هو العيد نفسه قبل رحيلنا إلى المدينة؟ بالطبع لا، وإن كانت هناك مشتركات بينهما.

الرابع: عيد (زمن كورونا) فبعد أن كانت الأسرة بكل فروعها تحتفي بالعيد في أماكن متعددة وفق ما يريدونه، أصبحت الأسرة الصغيرة تحتفل به وحدها في مكان محدود وبطريقة ربما تكون باهتة، فيا للعجب.

هذا بعض ما خزنته الذاكرة، آمل أن يصافح ما في دواخلكم، وأن يكون مؤنسا لكم في أيام حجركم، وكل عام وأنتم بخير.

#ومضة: ذكريات أمس الجميلة، ما هي إلا مفاتيح ليوم أجمل، وغد مشرق.

أضف تعليقاً