تطبيق النظام الفدرالي أو الكونفدرالي في دول متعددة الطوائف والأعراق مثل «العراق» يعتبر الحل المثالي للإشكالات العرقية والطائفية التي تعاني منها وتعجز عن حلها إلا عن طريق القوة والقمع المنظم، كما هو السائد في العراق منذ تأسيسه.
ولهذا النظام الديمقراطي مزايا كثيرة لا تعد ولا تحصى منها وأهمها؛ أنه يساعد بدرجة كبيرة في إشاعة العدل والسلام في البلاد، ويساعد على الاستقرار السياسي والاجتماعي، ويحول دون حدوث نزاعات عرقية أو طائفية أو دينية أو قبلية بين شعوبها المختلفة، ويكرس لعلاقة متوازنة بين الأكثريات الحاكمة والأقليات المحكومة ويعطي الحرية «المفقودة» للأقليات المهمشة من خلال حكم نفسها بنفسها دون وصاية من الأكثرية الحاكمة التي عادة ما تهيمن على مقدراتها وتمنعها من ممارسة حقها الطبيعي في العيش كما تريد..
على الرغم من أن «اليمن» ليس أكثر تعقيدا من العراق من الناحية الجيوسياسية ولا يحتوي على الكم الهائل من التناقضات القومية والطائفية والدينية والثقافية واللغوية، فإنه مع ذلك اختار العمل بالنظام الفدرالي المكون من ستة أقاليم تتمتع كل منها باستقلال ذاتي واسع بغية «انتشال اليمن من هاوية الصراعات والنزاعات التي سئمها الشعب» كما جاء في كلمة الرئيس اليمني عند إعلانه للقرار التاريخي.. قبل أكثر من تسعة أعوام (2005) أقر الدستور العراقي النظام الفدرالي للبلاد وفق المادة (119) التي تجيز للمحافظات بتشكيل الأقاليم، وأصبح العراق منذ ذلك الحين بلدا اتحاديا فدراليا بشكل رسمي ووفق اللوائح القانونية ولكن في الواقع والممارسات التطبيقية لم يكن أكثر من حبر على ورق!، حيث رفضتها الأحزاب السنية بصورة قاطعة أولا، ومن ثم تبعتها الأحزاب الشيعية التي تولت الحكم فيما بعد وبسطت سلطتها على كامل مفاصل الدولة. أصر الطرفان العربيان (السنة والشيعة) على إعادة السلطة الكاملة للمركز كما في السابق، وعدم تطبيق هذه المادة الدستورية المهمة، بحجة أنها تدعو إلى تقسيم البلاد وتمزيق وحدتها، مع أنها وضعت أساسا لتوحيدها وتجنيب أهلها النزاعات والصراعات الدموية التي هدت كيانها منذ تأسيسها.. فلو اعتمدا هذه المادة كقاعدة استراتيجية لحكم البلاد وأنشأ كل واحد منهما إقليمه الخاص، وعاشا بالأسلوب الذي يرتئيانه، والمبدأ الذي يعتقدانه، وانشغلا عن بعضهما البعض بالإعمار والاستثمار والإصلاحات الداخلية لإقليمهم على غرار الإقليم الكردي، لما اتسعت الهوة بينهما وتورطا في حرب أهلية طائفية في عامي 2006 و2007 وذهب ضحيتها الآلاف. وقد أدرك واضعو الدستور العراقي طبيعة التناقضات الصارخة بين المكونات الثلاث الرئيسية في العراق «السنة والشيعة والأكراد»، لذلك شددوا على أن يكون النظام السياسي في العراق نظاما اتحاديا فدراليا، وأدرك كذلك المرحوم «عبدالعزيز الحكيم» رئيس المجلس الأعلى الإسلامي مبكرا هذه الحقيقة وفي بدايات تشكيل العراق الجديد، لذلك طالب ومعه بعض القوى الشيعية مرارا بتشكيل إقليم للشيعة في الجنوب، ولكن طلبه جوبه بالرفض القاطع من قبل الأحزاب السنية واعتبروه دعوة طائفية، ولكن عندما خاضت هذه القوى والأحزاب السنية صراع السلطة المرير مع ائتلاف دولة القانون الحاكم بزعامة «المالكي» وأدركت أنها لن تكون شريكا حقيقيا في الحكم وفي صياغة القرارات المصيرية للبلاد وتيقنت أنها سوف تخسر الجلد والسقط و»تخرج من المولد بلا حمص» كما يقولون، أخذت تغير من استراتيجيتها وتنادي بالإقليم السني، ولكن بعد فوات الأوان وبعد أن تمكن حزب «المالكي» من التحكم في مفاصل الدولة، والانفراد في الحكم. والفضل في ذلك يعود بالدرجة الأساس إلى سلسلة من الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها تلك القوى والأحزاب السنية في بداية تشكيل الدولة العراقية الجديدة؛ أخطأت عندما لم تشارك في الانتخابات التشريعية عام 2005 وخلت الساحة السياسية للأحزاب الشيعية، وأخطأت عندما عارضت الدستور وفكرة إنشاء الأقاليم والعملية السياسية برمتها، وأخطأت عندما تبنت النهج الشوفيني العروبي في تعاملها السياسي مع مكونات عراقية مؤثرة في العراق كالأكراد (ولا أدري لحد الآن سر إصرار سنة العراق دائما، والأحزاب الإسلامية منها على وجه الخصوص، على تبني النهج العروبي العنصري الشوفيني في خطابها السياسي وعند تعاملها مع القوى غير العربية العراقية). وأخطأت أخيرا عندما استمرت في سياستها الشوفينية ضد الأكراد حتى وهي تخوض غمار حرب طائفية مصيرية مع القوى الشيعية.
كان من الممكن للعراقيين أن يعيشوا حياة أفضل لو طبقوا المادة 119 من الدستور، ولو حدث ذلك لجنبوا بلادهم الكثير من المشاكل والأزمات الكبيرة التي يعانون منها اليوم، ولكن مع الأسف رفضوها واحتكموا إلى العاطفة والنوازع الوطنية والشعارات القومية الكذابة التي كانت سببا أساسيا في شقائهم وتعاستهم، بدل احتكامهم إلى العقل والمنطق، ولغة العصر.
[email protected]
الاحتكام إلى الدستور هو الحل
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
