وتلك دائرة تخيلية ممتلئة بالخير والإنسانية والعطاء، وهي بلا شك مختلفة كل الاختلاف عن دائرة السوء، وقانا الله وإياكم من الوقوع من ضمنها.
وإيضاحًا للفكرة أود أن يرسم كل شخص منكم حول نفسه دائرة، بشرط أن تضم جميع من يهتم لهم ويحبهم، ويرعاهم، سواء كانوا من أهله أو من عموم البشر.
وليتمكن من تحديد الحسبة جيدًا، عليه التعرف أولًا على قدر أهميته ومكانته، وقدر ما وهبه الله من شرف الرعاية والحماية، والسلطة والإنسانية.
البعض قد يجد الدائرة تحتوي معه على والديه، وهنا فهو حظي بتلك الهبة الربانية، بأن يكون من ضمن دائرته من أنجباه.
وما أسعده لو اتسعت دائرته قليلًا وزاد عليهم زوجا، وأخا وبعض الأطفال.
والتعيس من لا يجد في دائرته غير ذاته، التي سيكتشف حينها قدر البؤس والتوحد، الذي يطويه.
وبالطبع فستظهر لنا بعض الدوائر غير حقيقية، بمبالغة صاحبها فيها ورسمها بأقلام إجحاف لا أمانة فيها ولا لون صدق ليدّعي ما ليس فيه من حب الآخرين وحاجتهم إليه، أو ربما يقلل منها نزولًا عند تواضع نفسه، أو خوفًا من الحسد!ودعونا نستمر تصاعدًا في حجم ومحتوى الدوائر، فنرى دائرة تحتوي على الأهل جميعًا الأخ والأخت، والعم والخالة، وأبناؤهم؛ وربما يزداد قطر الدائرة ليحتوي أصدقاء أو جيرانا أو أيتاما، أو أشخاصا آخرين يعتمدون كثيرًا على صاحب الدائرة، التي تزداد في التوسع بزيادة الأنفس المشمولين فيها بالحب والرعاية والحرص، والمسؤولية.
ولننتقل لدائرة مسؤول أمين محب لمن يعملون تحت سلطته، وكيف أن دائرته التخيلية ستحتويهم، وأن أي خلل في محيطها، ربما يظهر لنا حقيقة علاقته بهم، وهل هي فعلًا رعاية أبوية، أم أنها مجرد تحصيل حاصل، وزيادة في نفخ دائرته الهشة، الموشكة على الانفجار.
ومن بعد ذلك يكون الحاكم، والذي تحتوي دائرته على عموم الشعب الذين بايعوه، وممن يتوجب عليه محبتهم ورعايتهم، والسعي الحثيث لتحقيق ما يصب في فائدتهم.
وبالطبع فنحن نقصد هنا الحاكم العادل الأمين، الذي يتابع كل صغيرة وكبيرة، ويعامل من يكون على محيط الدائرة كمن يسكن في المركز، ومن يسكن على زاوية الصفر كمن يسكن في نهاية زاوية المنتصف.
والحاكم العادل لا يمنع تكوين الدوائر المنبثقة داخل دائرته الضخمة، ولا يمانع أن تتداخل الدوائر، بحيث تتعانق فيها المشاعر، والمواثيق، وتتفرع المحبة والصدق والأمانة، لتكسو دائرته بالخضار والخيرات المنبعثة من المنتصف، وليس من أوتار دخيلة.
أغلبنا لديهم دوائر خير يحرصون عليها وينمونها، وبعضنا لديهم دوائر سوء، لا تحتوي بقدر ما تلفظ، ولا تجمع بقدر ما تفرق، ولا تسعد بقدر ما تشعل نيران الشرور والفرقة والحقد والتشتت.
حماكم الله، وحمى دوائركم، وعززها بقلوب تزرع وتنتج المحبة، وعقول تسمح للأفق بأن يتوسع دون انفجار، ودون ضيق يخنق أنفاس من بداخل دائرتك.