قبل ربع قرن من الآن، وهناك على بعد أربعة عشر ألف كيلومتر من مكة المكرمة، تعرفت على معالي الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي، في مدينة (توسان) بولاية (أريزونا بالولايات المتحدة الأمريكية)، وذلك في برنامج الزيارات التفقدية التي كان يقوم بها مديرو الجامعات السعودية للطلبة السعوديين بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين، وكان أن جلست مع معاليه على طاولة واحدة، حيث تجاذبنا أطراف الحديث حول أوضاع الطلاب السعوديين، وكنت يومها مؤسس ومدير نادي الطلبة السعوديين في ولاية كلورادو ثم التقيت بمعاليه مرة أخرى في مدينة لندن في بداية التسعينات الميلادية في مؤتمر الأقليات المسلمة الذي عقد في بريطانيا.
وبعد أن أصبحتُ مديرا لمكتب رابطة العالم الإسلامي في فرنسا عامي 2002 / 2003م، استقبلت معاليه في باريس، حيث أشرفت على برنامج زيارة معاليه لفرنسا، التي تخلل برنامجها، زيارة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، عندما كان وزيرا للداخلية، وفي تلك الزيارة لمست دقة معاليه في المواعيد، وحواره الاستدلالي مع غيره، وما إن سمعت وسائل الإعلام الفرنسية والأوروبية بزيارة مسؤول إسلامي لفرنسا، حتى تهافتت تطلب منا تحديد موعد للقاء أو لإجراء مقابلة مع معاليه، حيث اعتذرنا لبعضها بأن برنامج معاليه كان مكتظا بمواعيد المقابلات. وبعد أن تقلدت منصب مدير عام مدارس الفلاح بمكة المكرمة، وبينما كنت في مكتبي ذات يوم، إذ اتصل بي المعلم الفاضل الأستاذ عبدالله باحاوي، مدير المرحلة الثانوية ليخبرني بأن الدكتور التركي في طريقه لزيارة المدرسة بعد لحظات، وطلب مني أن أكون في استقباله كوني المدير العام للمدارس، فسألته وما هدف زيارة الدكتور عبدالله التركي للفلاح ؟ فأخبرني بأن له ابنا في المرحلة الثانوية وآخر في المتوسطة، وأن الدكتور جاء ليطلع على وضعهما الدراسي .
وحقيقة، فاجأتني هذه الزيارة، كونها تأتي من رجل مشغول دائما بقضايا الأمة من خلال إدارته لرابطة العالم الإسلامي، لكنها دفعتني لأن أضع معاليه في مقدمة أولياء الأمور الحريصين على أبنائهم تربويا، وهؤلاء قليلون جدا، فقد هالني كيف تمكن معاليه من أن يوجد متسعا من الوقت، وفسحة في برنامجه المزدحم أصلا، ويأتي ليتفقد أبناءه في مدارسهم، فمعاليه أمين عام رابطة العالم الإسلامي حاليا، ووزير ومستشار في الديوان الملكي سابقا، ومع ذلك تجده يولي أبناءه اهتماما خاصا، يتفقدهم تربويا ويرعاهم علميا ويعتني بهم ثقافياً، ويزورهم في مدارسهم! بل كان يطلب مقابلة معلميهم ليناقشهم الواحد تلو الآخر عن أوضاع أبنائه في المدارس، وكيف أداؤهم في المواد الدراسية، ويسألهم هل يبذل أبناؤه الجهد المطلوب في هذه المادة أو تلك، أم هم مقصرون فيها ؟ وإذا كانوا مقصرين فما هي الأسباب التي أدت إلى ذلك، وما هي الحلول الناجعة من وجهة نظر المعلم لتفادي المشكلة؟ بل يتعدى الأمر ذلك، حيث يحرص الدكتور التركي على متابعة أبنائه في المنزل، فهو يحرص على الجلوس معهم وتفقد أحوالهم الدراسية وعطائهم وتحصيلهم العلمي.
والشيء الملفت للنظر، أن معالي الدكتور التركي كان يحضر للمدارس لمشاركة أبنائه فرحتهم عندما يخوضون المسابقات التي تقيمها المدارس، كما يحضر حفلات التخرج الخاصة بأبنائه، وأكثر من ذلك فهو دائما ما يساهم ويدعم مسابقة حفظ السنة النبوية التي تقيمها مدارس الفلاح، ويحضر حفلها النهائي السنوي، فيلقي فيه كلمته التي كانت تتضمن النصح والإرشاد والتوجيه، بل ويحرص معاليه على دعوة بعض طلبة المدارس الثانوية القريبة من مقر الرابطة لحضور بعض المؤتمرات والندوات التي تقيمها الرابطة بهدف فتح آفاق أفضل ومد قنوات أعمق للطلبة الشباب للتعرف على قضايا الأمة، وأعتقد أن هذا يحسب لمعاليه.
وعلى الرغم من أن إدارات مدارس الفلاح كانت تعاني من بعض أولياء الأمور الذين تستدعيهم المدارس لكنهم لا يلبون الدعوة ولا يهتمون بأبنائهم، ولا يصلون للمدارس لتفقد أحوال أوضاع أبنائهم الدراسية أو الوقوف على مشكلاتهم التربوية والتعليمية أو تقصيرهم في أداء واجباتهم أو تدني مستوياتهم التحصيلية أو حتى شكرهم لأدائهم وتحصيلهم الرائع، إلا أن معالي الدكتور التركي كان سباقاً إلى ذلك، فهو الذي يضع برنامج زياراته للمدارس وهو الذي يضمنها جدوله الفصلي، على الرغم من كثرة سفرياته وانشغاله.
لقد عشت ردحا كبيرا من عمري في المجال التربوي، فلم أر ولي أمر يولي اهتماما بالغا بأبنائه مثل معالي الدكتور التركي، الذي نسأل الله أن ينفع به وبأبنائه، وأن يجعله قدوة لباقي أولياء الأمور.