عبدالله محمد الشهراني

سعود الأحمدي.. المعلم

الأربعاء - 15 أبريل 2020

Wed - 15 Apr 2020

عندما يسترجع الإنسان شريط ذكرياته، يجد أنه قد وفق بفضل الله إلى زمالة رجال أحدثوا تغييرا إيجابيا في حياته، التغيير والتطور ليسا فقط فيما يخص الحياة العملية، بل يمتدان إلى سلوكه وشخصيته كذلك. وفي الحياة هناك قادة تتسع دائرة تأثيرهم لتشمل أشخاصا خارج إداراتهم، وربما خارج شركاتهم بالكلية. يقول الملياردير الصيني جاك ما «في فترة من حياتك ليس المهم في أي شركة أو قطاع عملت، إنما الأهم أي رئيس عملت معه.. الرئيس الجيد يعلمك بشكل مختلف».

سعود الأحمدي شخصية قليلة الكلام تفرض احترامها من الوهلة الأولى، بل بمجرد نبرة الصوت التي توحي بالجدية والأدب. بدأ التعامل مع «أبونوف» قبل أن يصبح «أبومحمد» عندما كان مديرا لوردية، لم أكن أعرف شكل الرجل، فقد كان التعامل بيننا - وعلى مدى سنوات - عن طريق الهاتف وحسب، وعندما رأيته في المرة الأولى عرفته قبل أن أميز صوته، فقد تطابقت الشخصية مع الصوت الجاد المؤدب. لا زلت أتذكر أسلوب «أبونوف» وحرصه على إرشادي بعد تكليفي على مرتبة مدير، ينصح بأدب وفي الخفاء وبعض الأحيان بالممازحة.

تقول العبارة الشهيرة «إذا أردت أن تتعرف على شخصية ما سافر معها»، لقد جبت العالم مع هذا الرجل .. والحقيقة أنني لا أتذكر عدد الرحلات التي كنت فيها مصاحبا للمعلم «سعود الأحمدي»، الرجل الذي كان «يضحك» علي ويوهمني بأنه يحب ذلك المطار، وأنه يريد أن يشتري من «السوق الحرة» حتى لا يذهب إلى صالة الدرجة الأولى ويتركني وحدي. «أبو محمد» في غاية الانضباط، خاصة في الاجتماعات، هو أول الحاضرين دائما، وعند سؤالي له عن السبب، أجاب «هناك ممارسات لا تعكس فقط صفاتك الشخصية بل تعكس أيضا ثقافة بلدك».

سعود مواطن محب لبلده غيور وحساس في هذا الموضوع. ورغم شخصيته الخجولة وحيائه الشديد إلا أنني أتذكر وقد كنا في مدينة هامبورج الألمانية - وفي قاعة كبيرة تجاوز عدد الحضور فيها المئات - كيف غضب وطلب الإذن في الرد على كلمة وجهها مندوب جنوب أفريقيا (بريطاني أو أسترالي الأصل) كانت تحمل إساءة إلى السعودية، وقف سعود الأحمدي كالأسد في ثباته وثقته والفيلسوف في نقده وتحليله، ولم يبرح مكانه حتى اعتذر المتهجم لنا وللمملكة.

أبومحمد رجل صالح، فالصلاة دائما في وقتها، بل هو أول من أجبر منظمة دولية متعلقة بالطيران على أن تخصص للمسلمين المشاركين في المؤتمر مصلى! وأعترف أني كنت أجهل جواز الصدقة على غير المسلمين، قبل أن أراه هو يتصدق على الفقراء في هونج كونج. وعندما قابل المعلم سعود أولادي لأول مرة، أفرط حفظه الله في مدحي أمامهم، معللا لاحقا بأن الأبناء لا بد أن يعرفوا مكانة والدهم عند الناس. وفي إحدى المناسبات افتقدني المعلم، وعلم بأن ظلما قد لحق بي، فأرسل لي بيت شعر يقول «ما خسرت بحياتي غير الردي.. أما الكفو دايم على يمناي». وكان ذلك درسا منه في جبر الخواطر.

تقاعد سعود الأحمدي وكم هو مؤلم الفراق. غادر المكان واستقر في القلب، لم يثنه التقاعد عن واجبه الوطني، سافر سعود إلى اليابان على حسابه الخاص ليفاجئني بحضوره اجتماعا في قضية تخص الوطن، هيبة أبو محمد أدخلته الاجتماع رغم أنه لا يمثل أي منصب، كما ساهمت - وأعني هيبته أيضا - في إلجام الخصوم، فخرجنا منتصرين.

وأنا في الرياض وجدت صورته على مكتب أحد الموظفين، كم خجلت من نفسي يومها وأنا مجاور له في جدة، لم أزره ولم أرسل له رسالة شكر خاصة، وها أنا للأسف أكتب «متأخرا» مقالا عنه.. جزاك الله عنا خير الجزاء يا «سعود الأحمدي».

ALSHAHRANI_1400@

أضف تعليقاً

Add Comment

مقالات ذات صلة