X
رابعة منصور

علمانية وعلم وإيمان.. نقطة وسطر جديد

الاحد - 12 أبريل 2020

Sun - 12 Apr 2020

في منطقة ترزح تحت وطأة الضغوط السياسية التي لم تهدأ يوما، وواقع متراجع حضاريا، ومنابر مجانية تتيح لأي كان أن يدلي بدلوه دون قيود، جاء كورونا وفتح الباب على مصراعيه من جديد لديباجة التفلسف حول محور الدين ودوره الرئيس في تخلف المنطقة، والبعض يذهب من ذلك إلى محور ضرورة التحول إلى العلمانية قبل هلاك المنطقة بمن فيها!

هل الدين فعلا سبب تخلف المنطقة؟ أم إن تلك الأصوات التي لا تحسن سوى ترديد (كليشات) مكررة هي جزء أصيل من أسباب تخلف المنطقة؟! أستطيع القول بأن العشوائية هي الوصف الوحيد لطرح محاور العلم والإيمان والعلمانية، وألخصها في النقاط الآتية:







التخبط في ربط الدين بالعلم والاستشهاد بنموذج أوروبا.

هذا الطرح المغلوط يشير بالدليل إلى قائله بتهمة فقر المعرفة! فربط متغيرين أو قيمتين لا علاقة بينهما كالدين بالعلم هو كربط الحضارة بالعرق الأبيض! لأن تجربة أوروبا معقدة جدا مع الدين. فعلى الرغم من انطلاق حركة الإصلاح التاريخية للدين الذي أطبق (سابقا) على كل تفاصيل حياة الأوروبيين لدرجة الخنق، إلا أن الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت التي استمرت سنوات طويلة راح ضحيتها ملايين البشر، وضحايا وباء الطاعون الذي رُبِط بالدين، وتجربة الحروب الصليبية التي وعد فيها المقاتلين لأجل الصليب بالنصر وانتهت بقتلى بالملايين، إضافة إلى أهوال الحربين العالميتين؛ كل ذلك أرسى مفاهيم جديدة للشر، وهز صورة الكتاب المقدس، وترك أثرا مؤلما عميقا في العقل الجمعي الأوروبي، جعله رافضا للأديان. فإذا كان الدين فعلا سبب تراجع الأمم، فها هي أمريكا أقوى دولة في العالم، شكل المتدينون فيها إلى وقت قريب ما نسبته 80%، في المقابل لم تحقق نسبة اللا متدينين 77% في فيتنام أي تقدم حضاري يذكر!

حقيقة كون الأديان بمجملها إبراهيمية أو غيرها.

في الحقيقة هي حجر أساس في بناء الحضارات الإنسانية وإرساء قيم جعلت الأخلاق مذهب حياة، ومعظم القيم الأخلاقية التي تقوم عليها الدول «المتقدمة» مصدرها الدين المسيحي. وهي اليوم في مرحلة تقييم الحاجة للبعد الديني كمنطلق أخلاقي في استقرار النظم الديمقراطية والاقتصادية، ولعل نتاج أبناء معقل العلمانية كالمنظر السياسي الفرنسي Alexis de Tocqueville والفيلسوف الفرنسي Émile Durkheim من أبرز من قالوا بذلك في نتاجهم الفكري. النظرة التقييمية لدور الأديان أتت من وحي تحديات الحداثة ونتاجها على المجتمعات، بعد انسلاخ تلك المجتمعات من عمقها الثقافي الفكري والديني القديم، دون وجود ما يملأ فراغه.

إشكالية الدين والسياسة.

الدين كان وما زال مطلبا للسياسة لتحقيق محور الوحدة الاستراتيجي لإنجاز الأهداف الأكبر. فالدين هو الذي استخدمه أبو أوروبا شارلمان Charlemagne حين بشر بالمسيحية قبل حتى أن يعتنقها، بهدف جمع شتات شعوب وقبائل متناحرة تحت قبة الإمبراطورية الرومانية، وهو الأداة التي استخدمتها الكنيستان الكاثوليكية والأرثوذكسية للإطاحة بالنظام الشيوعي، والشواهد في هذا المجال أكثر من أن أوجزها في مقال.

واليوم يقف استخدام الدين في السياسة مثالا شامخا في المشروع الإسرائيلي، والذي لولاه لما تمكن مهندسو المشروع «الملحدون» من إحياء الذاكرة واللغة العبريتين، وبعدها الانتماء والقومية لخلق مرتكزات تقوم عليها دولة. إذن الدين هو العنصر الذي لم ولن يتوانى

الساسة يوما عن استخدامه بهدف هندسة عقول المجتمعات حتى في أكثر الدول ادعاء للعلمانية، وهو ما نطق به لسان جورج بوش الابن إبان إعلانه الحرب على ما أسماه الإرهاب.

ولا يخفى على أحد أن مقر البابا لليوم يعتبر الممر الإجباري لكل دبلوماسي يرمي إلى إضفاء شرعية على سياساته، بما في ذلك قادة الولايات المتحدة الأميركية التي تطبع على عملتها عبارة «in god we trust». وعلى ضفة أخرى وبالضراوة نفسها التي استخدمت فيها السياسة الأديان لتحقيق أهداف استراتيجية، حاربت السياسة متمثلة في الشيوعية الأديان كصيغة تسهم في تشكل التوجهات الذهنية للشعوب، وهو الحاصل في الصين.

خلاصة القول إن مفهوم الدولة اليوم قائم في كل المنطقة العربية. ومنطق الدولة المتمثل في المصالح العامة والأمن القومي وإخضاع الدين للدولة، ووعي الناس بأهمية محاور العلم وفروعه للإنسان، وتأثير الفضاء المعلوماتي المفتوح؛ كل ذلك يجعل من الصعب بمكان مقارنة واقعنا بالتجربة الأوروبية.

ما نحن بحاجته اليوم هو التقدم خطوة إلى الأمام بعلمنة الوعي، وإيجاد مفهوم عقيدة الوطن وعقيدة الفرد لبناء الوطن.

خلط الحاجات الروحية للإنسان بحاجته للعلم! والتمحور حول السياسة، والدين، والفكر المقيد الباحث دوما عن صنم يُؤَلِّهُهُ، وتماهي حدود الدول في عقول شعوب المنطقة الأكثر اضطرابا في العالم، والفكر الرجعي الغارق في الماضي، مقابل العقول الحالمة غير الواقعية التي ترى في الغرب شمسا يجب استيرادها كما هي لتشرق ضياء في الشرق! كل تلك العوامل مجتمعة لا تنتج سوى عقول عقيمة جل ما تفعله هو الدوران في فراغ ساقية النقد والتنظير!

@Rabeahmansoor