اتخذت علاقة: «الوزراء» بـ: «المواطنين» أبعاداً عديدة إذ جاءت مختلفةً بذات الحجم الذي عليه اختلاف الفهم والوعي والتمثّل للدور الذي أنيط بكليهما.. وهو اختلافٌ سائغٌ يُمكن أن تُسأل عنه الشروط التاريخية لكل مرحلةٍ من المراحل التي تعبُرها: «الدولة» نحو مقاربتِها من صورة: (الدولة الحديثة).
وسؤالُ طبيعةِ هذه العلاقة الذي قد ألفنا طرحه الاستهلاكي بصيغةٍ طالما أتت على هذا النحو: «ماذا نُريد من الوزراء» أن يفعلوه: «لنا»، لا أن يفعلوه «بنا» وهو سؤالٌ يوهم وفْقَ تشكّل خطابه (الشعري/ الوردي) أنّ السادة «الوزراء» قد تركوا كلّ ما بأيديهم وما لبثوا أن أصاخوا (سمعهم) كلّه لـ: «المواطنين» إيذاناً بالإنصات التام تأهباً لاستيعاب كلّ ما يطلبه: «المواطنون».. فيما يقف على رؤوسهم: «مدراء مكاتبهم» في حركةٍ دؤوبةٍ ولا شيء يشغلهم حينذاك سوى التسجيل لِما يريده: «المواطنون» من: «الوزراء» خشيةَ أنّ شيئاً يسيراً قد يفوت على الوزراء الإنصات إليه.
هذا السؤال: «ماذا نريد من الوزراء» كان من كثرة ابتذاله أنْ بدا مجرّداً من أي قيمةٍ اعتباريّة إذ ليس من شأنه غير التوكيد على إعادة إنتاج للمعنى المترجرج والذي ما فتئ يتكثّف حضوره في اللحظات الأولى من عُمر «معاليه» في الوزارة في حالةٍ تتشابه والأيام الأولى للمتزوج حديثاً وقديما قال العامةُ في نجد: «لا تحكم على الفلاح في اليوم الأول الذي استلم فيه الشغل»!
على أي حال.. نتج عن هذا السؤال: «ما ذا نريد من الوزراء» وظيفة أماني مفادها أنّ: «معاني» مطالب: «المواطنين» من السادة: «الوزراء» هي ذاتها المطالب التي ربما أنصت إليها أول «معالي» تقلّد حقيبة مهام هذه الوزارة. ما يعني بشيءٍ من دقةٍ وإيضاح: أنّ الوزراء يعرفون بمنتهى التفاصيل الدقيقة كلّ ما يريده المواطنون سواءً ما كان من هذه: «المطالب» مُتلفّظا بها وما كان منها «مضمراً» ذلك أنّه السؤال الذي يأتي –عربيّاً- في المرتبة الأولى عند أي تشكيلٍ وزاريٍّ جديد!
وبسببٍ من هذا التكرار السمج لسؤال: «ماذا نريد من الوزراء» وعطفاً على كونه لم يُنتج معنىً جديداً على نحوٍ عمليٍّ ناجزٍ فإني رغبت هذه المرة ورأفةً بـ: «وزرائنا» أن نكف عن إزعاج سُلطات «معاليهم» بكوننا دائما:(نحن من يُريد)، وذلك بأن نسعى هذه المرّة في قلب المعادلة لصوغ السؤال بطريقةٍ تتجاوز السائد المستهجن ليكون من شأنها أن تحرك راكداً وعساها بالتالي أن تكون أكثر إيجابيّة.
إذن دعونا بحسّنا الوطني أن نخاطب معالي: «الوزراء» بسؤالٍ لم يكونوا قد تعودوا قبلاً على طرحه بهذه الصياغة: (ماذا يريد مِنّا الوزراء)؟ إذن وبملء أفواهنا - وقد أفرغنا منها الماء-:( ماذا يريد مِنّا الوزراء)؟!
فيا أيها الوزراء.. لا ريبَ بأنّه ليس بخافٍ على معاليكم ذلك الفشل الذريع الذي مُني به سؤال المواطنين السابق ذو الصيغة المربكة ذات المفردات المستفزة: «ماذا نريد من الوزراء» السؤال الذي لا تنتج عادةً – يعربيّة- إلا قلقاً بحمولة خطابٍ تحريشيّ يخلق مناخاتٍ من القطيعة والكره.. إنه السؤال الذي تتحرّك علائم الاستفهام وتتمطى في أحشائه الفارغة تحت سقفٍ معياريٍّ طالما حكم بتجنٍ على بعضٍ من معاليكم بـ: «الفشل» زوراً وبهتاناً.. السؤال المدحو بإجاباتٍ استباقيّةٍ لا يُفهم من تلكؤاتها إلا التحامل على وزارتكم ابتغاء الإدانة ليس إلا.. أرأيتم كم هو سؤال سافرٌ تمّ اجتراحه في منأىً عن الموضوعية إذ إنّ مشغولات صياغته ظلّت قائمةٌ على التحريض جملةً وتفصيلا وبرهان ذلك: إشاعة ثقافة هذا السؤال بمنطقٍ لا يفهم منه غير: «التّربص» بكم وبدوائركم ريب المنون. (أطال الله أعماركم).
السادة الوزراء.. ورفعا للحرج الذي أثخن جراح انتمائنا بسببٍ من سؤالٍ تُبنا إلى الله من إعادة طرحه ثانيةً.. ودحضاً لكل الحجج المتهافتة لِصنّاع سؤال: «ماذا يريد المواطنون من الوزراء».. وخلوصاً من شَرَك تقليديّة هذا السؤال الباهت إمحالاً والمؤسس على دلالاتٍ إكراهيّةٍ في اعتباراتها وشيطانيّة في مآلاتها.. والذي أوشكت بالتالي صورة –هذا السؤال - أن تستقرّ في ذهنية: «المواطن» بمبدأ المكاشفة تمهيداً للمحاسبة.. (أعاذنا الله من قولٍ يؤلّب علينا سُخطكم)!
نُشهدكم - يا معالي الوزراء- أنّنا قد استبدلنا سؤال: «ماذا يُريد منّا الوزراء» بسؤال: «ماذا نريد من الوزراء» وذلك عن يقينٍ مستتبٍّ بأنّ اختياراتكم لنا أفضل بمراتٍ من اختياراتنا لأنفسنا.. ورضينا بكم صرفاً وعدلا ولسنا نبغي عنكم بديلا.. وإنه لمن دواعي سروري اغتباطاً أن أزفّ إليكم رغبة: «المواطنين» بأن تمنحونا شيئاً من فضلِ أوقاتكم فتطلّوا علينا تلفزيوناً أو إن شئتم كتابةً - عبر مقالةٍ - تبثّوننا فيها قائمةً بكلّ ما تريدونه «مِنّا» ونعدكم أن نلتزمها تنفيذاً بكل ما أوتينا من فهمٍ وقوة..
فقط قولوا لنا ماذا: «تريدون منا» لعلكم من بعد ذلك أن تحققوا شيئاً مما نريده منكم.