نشرت صحيفة الرياض يوم الأحد الماضي 11 يناير 2015 في عددها 17002 خبرا بعنوان: «سجون المباحث.. الواقع يكشف افتراءات معرفات الفتنة». وكان العنوان الفرعي للخبر: «الرياض تزور سجن المباحث العامة وتلتقي 4 موقوفات أمنيا». وكما جاء في الخبر فإن الصحيفة قابلت عددا من الموقوفات اللاتي أبدين ارتياحهن إزاء الوضع العام للسجن والخدمات المقدمة لهن. وكانت أول مقابلة مع الموقوفة بهية الرشودي التي قالت - بحسب الصحيفة - «إنه يتم التعامل معهن بشكل أكثر من رائع».
الخبر كما هو ملاحظ جاء لتفنيد ما يشاع عن ممارسة التعذيب أو سوء أوضاع السجناء ورداءة الخدمات المقدمة هناك. بالتالي كان الخبر يرتكز حول الوضع الإنساني للنزيل، الذي يتعلق بمكان قضاء المحكومية والأكل الصحي والتهوية، وعدم إكراهه أثناء الاستجواب وكل ما يحفظ كرامته ويليق بإنسانيته. هذه الأشياء بشهادة كثيرين تتوفر في السجون في السعودية، والكل يعلم ذلك جيدا. أنا هنا أتفق مع ما جاء في الصحيفة بأن السجون تليق بكرامة وإنسانية النزيل. لكن ربما يتساءل كثيرون مثلي، ليس عن وضع النزيل وما يتعلق بمكان إيقافه أو طعامه والخدمات المقدمة له، بل عن وضعه القانوني. بالتأكيد الجميع يتفق معي على أن أسوأ بيت يمتلكه الإنسان أحب إليه من أفضل سجن، وهذه بديهية لا تحتاج إلى تفنيد، وحتى «معرفات الفتنة» التي جاء هذا الخبر لتفنيد ادعاءاتها لا أعتقد أنها ستجد آذانا صاغية، لأن الناس الآن على مستوى وعي يجعلهم لا ينجرون وراء الأحاديث التي تدور حول الوضع الإنساني للنزلاء ويغفلون عن الوضع القانوني. الخبر كما ذكرت تطرق إلى الوضع الإنساني للنزيل، وبودي والله لو تم الحديث عن الوضع القانوني، لأن الحديث عن الوضع الإنساني في سجون السعودية بات من المفروغ منه، فلسنا في جمهوريات العسكر العربية وحكايات الستينات والسبعينات. فنحن نعلم أن النظام السياسي في السعودية ليس دمويا، ونعلم أنه رغبوي وليس رهبويا، بل إن كثيرا من السجناء مرهون أمرهم بمجرد التوقيع على تعهد ليجدوا أبواب السجن مفتوحة. فالحديث في هذه الفترة ينبغي أن يكون حول الوضع القانوني لا حول الوضع الإنساني. فعلى سبيل المثال الموقوفة بهية الرشودي هي ابنة الموقوف سليمان الرشودي والذي هو متهم بالانضمام إلى جمعية سعودية غير مرخصة، فكانت هي أحد أفراد عائلته التي تنشد الإفراج عن والدها.
ذكرت في مقال سابق ضرورة الإسراع بإقرار قانون الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني، والذي ربما لو كان مقرا الآن لربما تمت تسوية أوضاع كثير من النزلاء ومن ضمنهم والد الموقوفة بهية الرشوي. هذا جانب مهم من الوضع القانوني والجانب الآخر والأكثر أهمية هو ما يتعلق بسير المحاكمات، فالموقوفة كما ذكرت الصحيفة تجاوزت «الستة أشهر لدى سجن المباحث» وبحسب علمي أنه صدر بحقها أمر بالإفراج وإلى الآن لم ينفذ. أما ما ذكرته صحيفة الرياض عن أن الموقوفة بهية الرشودي متهمة بتوزيع البروشورات التحريضية فهذا لم يرد في لائحة الاتهام المعدة من قبل الادعاء العام.
لا شك أن للزيارات الإعلامية والحقوقية للسجون أهمية بالغة، لكن لو يتم أيضا التطرق للجانب القانوني فيما يتعلق بوضع النزلاء لكان أجدى. فالخبر باقتصاره على الوضع الإنساني حتما سيلقى صدى لو نشر في تسعينات القرن الماضي. لكن الآن لا أعتقد أن أحدا سيناقش حول الوضع الإنساني ويغفل عن الوضع القانوني.