عاد الحديث عن الحرية ليتصدر العناوين الرئيسية وبرامج الحوار الإعلامية مرة أخرى بعد مقتل مجموعة من الأشخاص في باريس في عملية تمت إدانتها على نطاق واسع. الأبطال المعتادون ومبادئ التنوير والثورة الفرنسية تم استغلالها مرة أخرى، حتى من قبل أولئك الذين لا يعرفون عنها الكثير. ولكن كان هناك ضحية أخرى أيضاً لم يتحدث عنها أحد وهي: الكياسة والأخلاق.
في واقع الأمر فإن الفورة المفاجئة للشعب الفرنسي حول حرية التعبير تبدو جوفاء، لأن هؤلاء هم نفس الأبطال الذين يفرضون قوانين تمنع التشكيك بإبادة اليهود على يد النازيين، على أساس أن ذلك معاداة للسامية، وهم الذين وضعوا عدة إجراءات تحد من حرية المسلمين الفرنسيين، مثل منع ارتداء الحجاب في المكاتب الرسمية.
يقول الأمريكيون إن «حريتك تنتهي عند طرف أنفي». وعندما يتعرض أنفي للأذى بسبب إصرار أحدهم على «الحرية»، فكيف يمكن أن تكون ردة فعلنا؟ بضربة أشد قوة تسبب ضررا أقوى لأنف الآخر؟ هنا يأتي مفهوم الكياسة والتحضر. الهجوم على مكاتب مجلة شارلي إيبدو كان جريمة مروعة بالطبع ومقتل 12 ضحية أمر مأساوي بالفعل. لكن هذه الجريمة لا يمكن أن تُفهم في إطار حرية التعبير. هذه الجريمة – وأي جريمة مماثلة - وقعت بسبب فشل مسبق في التحضر والكياسة التي يجب أن تحكم سلوك الناس تجاه بعضهم بعضا مهما اختلفت معتقداتهم ومفاهيمهم. عندما تفشل مبادئ الكياسة والتحضر البسيطة في منع الاستهداف المباشر من قبل طرف معين لأعمق اعتقادات الآخر، فإن من الطبيعي أن تحصل ردة فعل.
في الفترة الأخيرة، أبدى الكثير من المفكرين الأوروبيين والغربيين احترامهم للرجل الذي جاء بأسرع دين انتشارا في العالم. المفكرة الألمانية آن ماري شيمل كتبت عن الاحترام العميق للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لدرجة التعاطف مع المسلمين في غضبهم ضد كتاب سلمان رشدي «آيات شيطانية». الصحفية الأمريكية ليزلي هازلتون سيرة ذاتية للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي لا يزال شخصية عالمية رئيسية رغم مرور 1500 سنة على وفاته. وعلى العكس من ذلك، قامت مجلة شارلي إيبدو بالسخرية من التقليد الغربي في الكياسة والتحضر في الحوار الفكري، حتى بين المختلفين فكريا وعقائديا. والفرنسيون نفسهم يعترفون أن للحرية حدودا.
في 2008، تم طرد رسام كاريكاتير لأنه قام برسم صورة تربط بين الرئيس في ذلك الوقت ساركوزي وبين المصالح اليهودية.
إن عمليات القتل يجب أن تُدان بلا شك، لكن يجب الاعتراف أن هذا الرد العنيف جاء بسبب فشل ونفاق النظام القضائي الفرنسي والمؤسسات الأخرى بشكل عام. وليس هناك مثال أوضح على النفاق عندما يجرم نفس النظام إنكار حدوث المحرقة اليهودية (الهولوكوست)، وقد أدين بروفيسور فرنسي في أواخر التسعينات لأنه شكك في دقة ادعاءات الذين يقولون إن المحرقة حدثت بالفعل.
إن الحرية يجب أن يكون لها حدود بالفعل. وبدون هذه الكياسة والآداب فإن المشاكل ستحدث بالتأكيد.