في واقع المجتمعات العربية والإسلامية منذ القرن الثالث وإلى اليوم تكونت طبقة خاصة بعلماء الدين تملك سلطة التوجيه والإفتاء والإرشاد لعامة الناس، هذه الطبقة لها طقوس خاصة في طريقة اللباس والحديث والتعامل، ولها ألقاب خاصة، وهي بهذا تشكل ظاهرة دينية لم تكن موجودة في عصر الرسالة والتابعين، فمن أين جاءت هذه الطقوس؟
حسب علم الاجتماع الديني يتحول العمل الديني بعد انقضاء عهد التأسيس والأجيال القريبة منه إلى عمل مؤسسي يتميز بالتراتبية والتنظيم، ويتحول الخطاب الديني إلى مرحلة تقنين صارم، ويميل الخطاب للتشدد، ويتوسع في محاولة لفرض رقابة المؤسسة على كافة جوانب النشاط الإنساني في المجتمع، ويتحول رجال الدين إلى ما يشبه حرَّاسا للمؤسسة؛ وهذا يتطلب أن يتميز الحراس بطقوس خاصة في اللبس وطريقة الحديث والتعامل والميل إلى الشدة تجعلهم يتميزون عن غيرهم في المجتمع، ويمثلون طبقة نخبوية في المجتمع، وهذا ما حدث في التاريخ الإسلامي، فمن بداية القرن الثالث ترسمت المذاهب وتحول الخطاب الديني إلى ما يشبه التقنين، وأصبح رجال الدين طبقة نخبوية لها طقوسها الخاصة، وتأثرت بنمط التدين الأعجمي في التراتبية، والألقاب، وتخصيص لباس خاص، والتخشع في الكلام، والسمت العام.
وهذا كله مخالف لنمط التدين العربي الذي كان عليه الرسول، صلى الله عليه سلم؛ إذ كان يجلس بين أصحابه فلا يعرفه القادم حتى يسأل عنه، وينخرط مع أوساط مجتمعه فيما يقومون به من نشاط إنساني، مما لو عمله اليوم أحد علماء الدين أو صغار طلبة العلم لكان محل استنكار.
فمن ذلك أنه يقف ليتفرج على رجال حبشيين يرقصون بحرابهم في المسجد، وفي رواية امرأة حبشية ترقص، ومعه زوجته عائشة، قالت عائشة «كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جالسا، فسمعنا لَغَطا وصوت صبيان، فقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا حَبَشِيَّةٌ تَزْفِنُ (أي: ترقص) والصبيان حولها (وفي رواية رجال الحبشة يلعبون بالحراب)، فقال: يا عائشة، تعالَيْ فانظري، فجئت فوضعت لَحْيَيَّ على منكب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجعلت أنظر إِليها، فقال لي: أما شبعت؟ أما شبعت؟، قالت: فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده»، وفي حادثة أخرى وهو في جمع من أصحابه تستأذنه امرأة لتضرب الدف وتغني، فعن بريدة الأسلمي قال «خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فِي بعض مغازيه، فلما انصرف، جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب ببن يديك بالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، فقال لها رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا، فجعلت تضرب وتغني». ويزور عروسا أنصارية صباح ليلة عرسها؛ فـعن الرّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عفراء، قالت «جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فدخل عليّ صَبِيحةَ بُنِيَ بي، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجَعَلت جُوَيرِيَات يضربن بدُفٍّ لهنَّ، ويَنْدُبْنَ من قتل من آبائي يوم بدر، إلى أن قالت إحداهن: وَفينا نبيٌّ يعلمُ ما في الغَدِ، فقال: دعي هذه، وقولي الذي كنت تقولين».
وتروي عائشة أنه سابقها جريا؛ قالت «خرجتُ مع النبي، صلى الله عليه وسلم، في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللَّحم ولم أَبْدُنْ، فقال للناس: تقدموا، فتقدموا، ثم قال: تَعَالَيْ حتى أسابقك، فسابقتُه فَسَبَقتُه، فسكت عني، حتى إذا حملتُ اللَّحم وبدنت ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تَقَدَّمُوا، فتقدموا، ثم قال: تَعَالَيْ حتى أسابقك، فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك، وهو يقول: هذه بتلك». وكان يجلس في المسجد والصحابة يتناشدون الأشعار الجاهلية وهو يبتسم. وفي سفرةٍ من سفراته كان أصحابه يتمازحون فيرمي بعضهم بعضا بقشور البطيخ، وهو بينهم.
ولسنا في مجال سرد كل الجوانب التي تمثل نمط (التدين العربي)، وإنما هي إشارات للدلالة على غلبة نمط (التدين الأعجمي) على كثير من المنتسبين إلى طبقة علماء الدين، وهذا التغلب هو من موروثات التأثر بالأعاجم وطرائق تدينهم نتيجة احتكاك العرب بالأمم المجاورة لهم والمخالفة لهم دينيّا.
التدين العربي والتدين الأعجمي
سليمان الضحيان3 دقائق للقراءة

حجم الخط
