قبل مئة عام تقريبا وفي عشرينات القرن العشرين اكتشف العالم والطبيب البريطاني ألكسندر فليمنغ مادة البنسلين، كأول مضاد حيوي في العالم، داخلا بذلك التاريخ ومدخلا معه البشرية في مرحلة جديدة في صراعها مع المرض، اسمها عصر المضادات الحيوية، مسدلا الستار على عصر ما قبل المضادات الحيوية الذي امتد آلاف السنين.

لقد كان البشر يموتون بأعداد هائلة ولأسباب تافهة بسبب العدوى والالتهابات. فحمى النفاس تختطف الأمهات في مقتبل العمر، والجنود الجرحى يموتون بمعدل أكثر من أولئك الذين يسقطون في المعارك، وكانت عضة حيوان أو خدوش منه كفيلة أحيانا بالقضاء على رجل قوي.

ولأن الحرب سجال، فقد ظلت البكتيريا تتغير وتتشكل مكونة مقاومة للبنسلين وسلالته من بعده، واكتشف الإنسان أنواعا مختلفة من البكتيريا لا يجدي معها البنسلين، فركّب وطور أنواعا جديدة من المضادات، حتى أشعره الغرور بأن له الكلمة الأخيرة واليد الطولى، ولم يعد هناك أي من هذه المخلوقات متناهية الصغر لا يمكنه القضاء عليه.

ولكن وكما قيل (يضع سره في أضعف خلقه)، فإن هذه الجراثيم الصغيرة التي أنهكتها المضادات وأسقطت هيبتها ما لبث أن نهضت مرة أخرى، وعادت لتبطش بذلك الإنسان الذي لم يحسن استخدام أسلحته ونقاط قوته. وخرجت سلالات جديدة من البكتيريا لا ينفع معها أي من عشرات ومئات المضادات المعروفة.

لقد أساء الناس استخدام المضادات بحيث ساعدوا في تشكل سلالات من البكتيريا لديها مقاومة للمضادات المختلفة. وجاء وقت على الناس أصبحوا فيه يتناولون المضادات كما يتناولون الحلوى، وأسهم الأطباء أنفسهم في هذه الكارثة، فأصبحت المضادات تصرف بسبب ودون سبب، وأصبح المريض في بعض المجتمعات لا يتقبل فكرة خروجه من عيادة الطبيب دون أدوية وأولها المضاد، وكانت المضادات وربما لا تزال تباع دون وصفة طبية، فإما يعطيك إياها الصيدلي الذي قرر أن يحل محل الطبيب أو أن المريض يدخل ويبتاع ما يحلو له من المضادات بناء على نصائح وتجارب سابقة.

هناك عشرات الأنواع من البكتيريا، لذلك فإن هناك عشرات الأنواع من المضادات، ولا يعالج نوع إلا بالمضاد الملائم له، بما في ذلك الجرعة وفترة الاستخدام. كما أن الفيروسات والفطريات لا تعالج بالمضادات الحيوية أصلا، وغالبية الأمراض لا تعالج بالمضادات، وأهمها البرد الشائع الذي في غالبيته الساحقة سببه فيروسي، وكما قيل إذا كان الشفاء منه دون علاج يستغرق سبعة أيام فإنه سوف يستغرق أسبوعا بالعلاج. أما تناول حبة مضاد عند التعب وعند السخونة أو عند الألم فهذا جهل مطبق لا تجدي معه حتى المضادات الحيوية.

المضادات تصرف فقط بواسطة طبيب وبوصفة طبية، وعند وجود داع حقيقي للعلاج بالمضادات. وإذا كانت الجهات الصحية نظمت عملية بيع وشراء المضادات فإن المستشفيات الجيدة تحصر وصف بعض أنواع المضادات بوصفة من استشاري الأمراض المعدية فقط، وليس لأي طبيب الحق في صرفها.

إن البشر جميعا كما في الحديث الشريف كقوم ركبوا سفينة، ويجب أن لا تغرق هذه السفينة بسبب سوء تصرف البعض. والوعي الجماعي والانضباط هما ما سيمنع خروجنا من عصر المضادات الحيوية إلى عصر ما بعد المضادات، والحرب مع المرض لم ولن تنتهي، ولكن لنحاول كسب مزيد من النقاط.

drtjteam@