من المفترض أن أكتب مقالي الأسبوعي قبل صدور النسخة الورقية من الصحيفة بوقت كاف، وهذا ما يجعلني حريصا، حثيثا، كثير الشطب والتعديل، بل وتبديل الموضوع بالكامل مرات ومرات.

والسبب ببساطة أني أعيش في الشرق الأوسط، بؤرة عين بركان الكرة الأرضية، ومسار أوزار حممها، ولظى ترابها البركاني ودمويتها، وتهجير سكانها الأبرياء وهدم وتخريب مساكنهم، وحرق زرعهم وقتل ضرعهم على أهون سبب.

أرض يتصارع البغاة على خصبها بعد تحاشي سخونتها، وخلق فرصهم لادعاء الخير والإنسانية في أفعالهم، وأنهم أولى بالتدخل من غيرهم، لتغيير وجه الأرض وفرض الشروط وإعادة ترتيب من تبقوا من أهلها المحترقة وجوههم بالرماد، والمتنازعين على السلطة بأسلحة

المعتقد ومتفجرات العنصرية، بخداع المتلبسين بأردية الملائكة تدعي إطفاء الحرائق، وتنقية الأجواء من الغبار وإعادة المهجرين لدنياهم، والحقيقة أنهم أشر الخلق، وأكثرهم خبثا وشراسة ونجسا، مهما بلغت أناقتهم وعلت حجتهم وتلبسوا القداسة والإنسانية وسطروا قوانين سلام الشرق.

أنا المعذب بحرب عشواء مع ضميري وقلمي، فماذا يُنتظر مني أن أكتب؟

وهل ستدوم وتستقر الأحوال يوما ليلحق مقالي قطار تسارع الأحداث المتصارعة والهلاك على جبهات الشرق الأوسط، والذي يجد القابض على مبادئه فيه أن أصابعه تتحول إلى كومة جمر ورماد؟

هل أكتب في مقالي عن تنوع خبث إيران التي يتفاخر إعلامها بثمانية أعلام عربية، يرصها خلف قادة إرهابه، متفاخرين بتقيتهم وكذبهم، رغم يقينهم بأن العالم يدري بشرورهم وفسادهم وما يقترفون في كل زاوية من الشرق، حتى لم يسلم منهم عابر سمائهم الهارب من جحيمهم؟

هل أكتب عن يوميات تركيا التي لم تعد تتحفظ في إظهار نواياها الاستعمارية للدول العربية، والبحار المحيطة، والعالم يتردد في الوقوف ضدها؟

هل أكتب عن عجائب حكومة قطر، وهي تسابق الزمن، لتغدر بهذا وتهيل أموالها على ذاك وتقتل بإعلامها هؤلاء، وتستمر في حالة من الجبن والتذلل والطاعة للخائن، والنقمة من الأخ؟

ماذا سأكتب عن دول عظمى تستعرض في هيمنتها الشريرة ذكاء جنسها وعلو قدراتها، وكيف أنها تريد خلق واقع جديد في كل ساعة، وتوازن مختلف ومعارك تزيد وتستشرس، حسبما يصب في مخازن مصالحها؟

هل أكتب عن طبع التوريط والخيانات بين الدول العربية والحكام، وكيف أن الصديق يمكن أن يكون هو أس البلاء، فلا يلبث أن ينكشف بكونه العدو الأعظم؟

هل أكتب عن معتقدات يفترض أنها خالصة لوجه الله، وأنها تفيض بالنقاء والسلام لعامة البشر، ولكن كثيرين يمتهنونها ويلوون أعناق روحانيتها، ويذبحون بسيفها من لا يوافق رأيهم، فتكون ميليشيات الحشود المسلحة المغيبة الإرهابية، وتكون منظمات القاعدة وداعش وإخوانها، ويكون الإخوان المسلمون والحوثي، وكل من له مخالب يريد أن يطول بها أوجه الآخرين، ويخضع الدنيا للغي والفهم المنقوص للديانات؟

وما الذي يؤكد لي أن يصدر مقالي قبل تغير الأحداث التي كتبت من وحيها، تسارع الشرور في شرقنا المنكوب يعجز أي سرعة واستقراء، وأي تسلسل ومنطق ويقين.

في شرقنا الأوسط المعجز للفهم والعقول والرؤية، نحتاج لآلة الزمن كي نكتب المقال مقلوبا، باستبصار رجعي يدرك الجدة والثقة، فيكون ما يقال هو نفسه ما يحدث بالفعل حينها، وليس قبل ساعة من زمن تغيرت فيها تراتبية المآسي.

Shaheralnahari@