X
رابعة منصور

الحضارة وشعوب منطقة حي على خير العنصرية!

السبت - 28 ديسمبر 2019

Sat - 28 Dec 2019

تختلف أشكال العنصرية من مكان لآخر وترتكز على تصنيفات تنسب لعوامل تاريخية، وثقافية، ودينية أو اقتصادية، ويمكن القول بأنها توجد بأشكال مختلفة في كل بلد على وجه الأرض. تعرف العنصرية بطرق مختلفة، لكن يتفق الجميع على أنها شعور يبديه الأفراد تجاه شخص أو فئة معينة من الناس على أسس انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو الإثنية، وتمتد للمكتسبات الاجتماعية والثقافية «رأس المال الثقافي»، وكثيرا ما يكون هذا الشعور مصحوبا بكره، احتقار، أو عداء.

ويمكن أن يمتد ذلك الشعور إلى أبعد من ذلك فيصل إلى تعامل أو سلوكيات متطرفة، كاستعمال العنف أو الإكراه أو المنع من حق ما. ولعله تناهى لمسامع كثير منا رأي يقول بإسهام السوشال ميديا في إشعال فتيل العنصرية بين شعوب المنطقة. لكن الحقيقة أن السوشال ميديا لم تذك شرارة العنصرية بين شعوب المنطقة مطلقا، بل كل ما فعلته أنها كشفت عن حجم الوباء المستشري بين الشعوب فقط لا غير.







ولعل ما يهمني كسعودية هي حصى العنصرية التي ترمى بها شعوب الخليج تحديدا، وبلدي السعودية على وجه الخصوص. عنصرية وإن كان منطلقها الأول هو التراشق السياسي، إلا أنها سرعان ما تتحول للشخصنة والمعايرة بالبداوة والقبلية والمن بأفضال شعوب بعينها على السعودية، وهنا لا بد من الوقوف لتبيان حقائق مهمة:

1 البداوة ليست عيبا، بل هي صورة من صور نشوء الحضارات البشرية التي نظمت سلوك أفرادها وفق نسق اجتماعية لها أنماطها. وساهمت ظروف بيئية معينة في خلق المجتمعات البدوية بمميزاتها وعيوبها كسائر المجتمعات البشرية. والبداوة بخيامها وجمالها وكل تفاصيلها ليست حكرا على منطقة الخليج بالمطلق، فهي توجد في كل المجتمعات العربية وحتى الغربية وإلى الآن وإن اختلفت ملامحها، غير أن الظروف الاقتصادية في دول الخليج ساهمت في تطور مجتمعات البادية، إلا أنها ما زالت موجودة دون تطور يذكر في معظم الدول العربية.

2 المجتمعات الحضرية المستقرة والمثقفة في السعودية أيضا موجودة منذ القدم كما وجدت في كل المجتمعات العربية، ولليوم توجد كثير من المجتمعات العربية لا ترتقي لمستوى الرقي والثقافة المتراكمين لدى بعض المجتمعات السعودية. (مفهوم الثقافة مختلف عن الحضارة).

3 الحضارة وفق تعريف بعض المختصين هي الإرث المادي والمعنوي الذي خلفه الماضي لمجتمع ما، والذي اعتمد عليه أفراد ذلك المجتمع في إكمال مسيرة حياته وتقدمه. ويظهر ذلك الإرث في المظاهر المعنوية كأسلوب الحياة، والمعيشة اليومية، أو في العلوم والوسائل المادية التي ساهمت في رقيه الحضاري. وهذه الحقيقة تقتضي الوقوف مطولا لتسليط الضوء على حقائق أخرى لا بد أن تدركها وربما تعترف بها الشعوب العربية، وهي أن بقاع الحضارات النهرية في المنطقة والتي تعتد شعوبها بإرثها الحضاري، لم يخلق مظاهر رقيها في عصر ليس ببعيد إلا الحضارة الأوروبية التي استجلبت التخطيط المدني وأنظمة الحكم المحلي وخلقت طرق التجارة.

فقد لعب الاستعمار الفرنسي والبريطاني الدور الأساس في إنشاء مشاريع البنى التحتية للبلاد التي هيمن عليها، وتشهد على ذلك شبكات المياه المعقدة التي ربطت مدنا ببعضها، والسكك الحديدية والأنفاق والجسور والطرق المعبدة التي شُقت لهدف عبور السيارات من وإلى أوروبا، فضلا عن الشبكات الكهربية والهاتفية. مرورا بالرعاية الصحية والتعليم الذي تحول بفضل الاستعمار الأوروبي من تعليم يقتصر على القراءة والكتابة والحساب والتركيز الشبه الكلي على التعليم الديني، إلى مدارس وجامعات وإن كانت حصرية لطبقات بعينها، إلا أنها أوجدت الأساس التعليمي الجيد بشكل ملحوظ ومهدت لطريق التعليم العالي لاحقا.ووصولا لدور السينما وصناعتها وكثير من التقنيات الأخرى التي قدمت بفضل الثورة الصناعية الأوروبية، وليس بفضل حضارات المنطقة التاريخية السحيقة.

وربما لخص Alam Payind مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة ولاية أوهايو في كتابه «مفاتيح لفهم الشرق الأوسط» الأثر الحضاري للاستعمار الأوروبي، بما معناه « لو أراد أحدهم أن يكتب عن حقيقة أن الاستعمار حسن أوضاع رعايا المستعمرات بالطب الحديث والظروف الاقتصادية الأفضل والأمن، لأمكنه أن يملأ موسوعة بإنجازاته، تماما كما يمكنه أن يملأ موسوعة عما اقترفته يداه». وعليه فإن حضارات المنطقة النهرية السحيقة لم تصنع تجليات التقدم التي عاشتها مناطق وشعوب محددة في فترات زمنية معينة، ولم تضمن حتى بقاء منجزات المستعمر!

4 الفوقية التي تنظر بها شعوب المنطقة لدول الخليج، خاصة السعودية، ليست إلا تجليا لعقدة مركبة من الاستعلاء، وهي إحدى الطرق التي يستخدمها أفراد يعانون من الدونية لتفادي مواجهة الحقيقة. والحقيقة الجلية الوحيدة اليوم أن الدول التي تتغنى شعوبها بأفضالها على المملكة هي دول متخلفة بامتياز، لا أثر فيها للحضارة التي يتشدقون بها، ولا للعقول التي بنتها!

5 العنصرية المستشرية هي أعراض مرض عضال لطالما عانت منه شعوب كل دولة فيما بينها! مرض تسبب في أوقات كثيرة بدمار ونزف وما زال مستمرا! وتمدد مرض العنصرية المحلية ليرمي بشرره الجيران! كما هو حاصل مثلا في استعلاء الفلسطيني على الأردني! واللبناني على السوري! واليمني الشمالي على اليمني الجنوبي! والمصري على السوداني! والمغربي على الجزائري!

ولم يختلف الأمر مع السعودية إلا في كونها محفزا لمركب النقص بفعل حقيقة ثقلها الدولي، وسقوط أسطورة كفاءة الشعوب «المتحضرة»! بعد أن اقتحم السعوديون وبكفاءة ميادين كانت لفترة قريبة مستبعدة من حساباتهم، فبرعوا وبجدارة في ميادين الطب والهندسة والتقنية والإعلام والتجميل والموضة والفن، وربما تسببت البطالة في إظهار مواهب ومهارات لم يعرف السعودي يوما أنه يمتلكها! وبذلك أثبت السعودي أن غيابه كان السبب في وجود البديل، وليس غياب كفاءته في مقابل إبداع الآخر العربي.

6 حقيقة لكل زمان دولة و»مصادر»! فكما كانت الأنهار يوما هي سبب ومصدر الحضارات النهرية، ومن بعدها كانت الحضارات البحرية، فلا غرابة أن تكون مصادر الطاقة اليوم مسبب ومصدر تأثير دول الخليج ومنها السعودية. لكن السعودية والسعوديين يتفوقون وبامتياز على كل شعوب المنطقة في حقيقة أن ما واجهوه ويواجهونه في سبيل بناء حضارتهم لم يواجهه أي من مدعي الحضارة في المنطقة.

ويتجلى المقصود في تعريف المؤرخ البريطاني Arnold Toynbee للحضارة، فهو يرى أن الحضارة هي التي تقوم مدفوعة بقانون التحدي والاستجابة، فهي تواجه أنماطا مختلفة من التحديات والظروف الصعبة لتستثير الأمم على إقامة الحضارات في سياق توافقي مادي ومعنوي. وهذا هو تحديدا ما يجعل السعودية استثناء لا يمكن مقارنته بأي محاولات نهوض أخرى في المنطقة، فالسعودية تنهض من واقع محيطها الدولي غير المتحضر، وغير المستقر سياسيا، ومن واقع صعوبة مناخها، وثقل مسؤولياتها المحلية والإقليمية والدولية.

مسك الختام، هو أنه لا فضل لحضارات بابل وآشور وسومر في حقيقة أن الرياض اليوم هي العاصمة العربية الرقمية! ولا منة للحضارة الفرعونية في اختراع أسطول الطائرات الذي تمتلكه السعودية! ولا مكان للحضارة الآرامية في خلق الإعلام السعودي! ولا توجد حضارة في المنطقة قدمت للسعودية ما قدمته الحضارة الرومانية لألمانيا على سبيل المثال! بل إن حضارات المنطقة لم تساهم أصلا في صنع حاضر أوطانها.

لذلك يجب أن توقف شعوب المنطقة هراء العنصرية المقيت الذي يصم صاحبه بالعار، وتنفض غبار التاريخ لترى الواقع وتساعد نفسها أولا، وتعي بصوت العقل أن استقرار السعودية تسبب ولوقت ليس ببعيد في استقرار المنطقة بأكملها سياسيا واجتماعيا، وأن ردود الأفعال من السعوديين تجاه شرر مركب النقص والتعالي الجاهل أمر طبيعي، لكن غير الطبيعي هو استمرار وباء العنصرية العضال الذي انتشر لدرجة الفتك بالأوطان، وها هو يتمدد دون هوادة، ولن تكون النتيجة الحتمية إلا كوارث ستحرق الجميع دون استثناء، وهو الحاصل أصلا على الأرض، فهل من متعظ؟!