والصحوة المزعومة مظهر من مظاهر الانتماء الخفي لرموز تلك المرحلة للتيارات والجماعات الأيديولوجية والحركية المتشددة، التي طاب لها أن توصف بجماعات الإسلام السياسي، وفق استخدامات المصطلح عند بعض المفكرين، أو المحللين السياسيين/ ليكون ذلك مسوغاً لادعائها بدور الضحية دائماً، التي تتكالب عليها القوى والتيارات المضادة. وكان للوصف المضلِّل دوره كذلك في أن يؤاخذ المسلمون بجريرة المؤدلجين وطلاب النفوذ والسلطة. كانت حقبة الثمانينات، هي المرحلة التي أينعت فيها الصحوة
واستقامت لها قاعدة جماهيرية، ومساحات نفوذ وأجهزة عَمِلت بوعي أو بدونه على تغذية التيار، حتى آل المجتمع إلى حالة غريبة من مظاهر الفرز والتمذهب والاصطفاف، واستحداث مظاهر شكلية للتدين تشكِّل أوصافاً تمييزية، مثل: متدين، ملتزم، إسلامي.. إطارها الدعائي، ويختص الصحويون بجهازها الدلالي فيمنحونها لمن شاءوا، ويحجبونها عن آخرين.
وحين كان الشرخ واضحاً بيناً، صار الصحويون أكثر تمكناً وتمكيناً من الذهن الجمعي، فهم الدعاة الجدد الذين يريدون إخراج المجتمع من ضلاله، إلى الهدى الذي اختاروه له، والنور المنتظر الذي يحملون ألويته. ولم يكن غريباً حينئذ أن تسمع عن أشياء مثل: الشريط الإسلامي، والأدب الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي، والميناء الإسلامي، والزواج الإسلامي. وليس لك أن تسأل حينها عن المُبدَلات التي جاءت هذه البدائل عوضاً عنها. وكانت مفاعيل سؤال كهذا تدور في أذهان البعض دون أن يملك جرأة الإفصاح عنها، ودون أن يتجاوز ضمنية السؤال إلى تحرير رؤية تناقش ذلك أو تحاول فهمه. كان التيار قد حقن الذهن الجمعي بأمصال ممانعة وطاردة لتوجُّه كذلك. وهو ما تعبِّر عنه مظاهر درامية؛ كأن تتحول مناسبات الزواج مثلاً، إلى تظاهرة للحديث عن الموت والعذاب. وأيضاً كان المجتمع تحت مخدر التيار، فلم يفكر لحظة في منافاة مظاهر كتلك للعقل والدين
وفي سنوات تالية تنبَّه من تنبَّه إلى غياب فكرة الوطن من أدبيات الصحويين، وهال أولئك الأثمان التي دفعها الوطن من دماء أبنائه، عندما دفعهم التيار إلى مشاهد الموت والحروب بالوكالة، والنضال بلا قضية في أقطار شتى. وأصبحنا لا نرى صراعاً في العالم إلا ويجعل أولئك من أبنائنا وقوداً له، عندما دفعوهم إلى تلك المهالك. بعد أن غيَّبوا العقيدة الوطنية في نفوسهم.
ومن حسن طالعهم أن التحولات العالمية -التي كانت تداعياتها تصلنا- لم تمت فيهم جذوة المراهنة على البقاء. وإذا ما قيض الله بصيص نور تتمثله فئة قليلة مخلصة، تروم كشف ما خفي من أهدافهم؛ كروا عليها بأقلامهم، وقوىً خفية تدعمهم فرفعوا شعار (وا إسلاماه). وتحفظ الذاكرة ذلك السجال الذي دار بين أحد أقطابهم وبين أحد الأقلام الصادقة حول الدولة المدنية والدولة الدينية – ومع أنه كان سجالاً نظرياً محضاً، حول عموميات المرتكزات التي يرفعونها شعارات استعدائية ضد مخالفيهم.فهم وحدهم من يملكون الحقيقة، وهم الصواب لا غيرهم. والاختلاف معهم ليس على الخطأ والصواب في المشاع من الأفكار والمواقف، بل بين الحق والباطل؛ فكان من مخرجات مرحلتهم -التي لم تنته– أن المجتمع في شرك الاتهام دائماً، وأننا في موقع الحرج من العالم.
لم يكن كل ذلك محض صدفة، وليس نتيجة أصوات متفرقة هنا وهناك، بل أيديولوجية صلبة متماسكة ترتهن إليها جموع من المؤمنين بها، يحتلون مواقع مختلفة في التعليم من الابتدائي، إلى الجامعة، وفي المؤسسات الأخرى، وفي الإعلام، وهو من أبرز وسائل نشر فكرهم والتبشير به، وامتداد تأثيره وقدرته على الاستقطاب والتعبئة والتوجيه
ناهيك عن طغيان المد الشعبي من الأتباع والمريدين، الذين يمثلون ظهيراً يستخدمه التيار في المغالبة والمراهنة على امتلاك الشارع. حتى كان العقد الأول من الألفية الجديدة مرحلة من أبرز مظاهرها انفساح مجال البحث العلمي والمساءلة المنهجية لهذه الظاهرة في إطارها العام: الدولة والمجتمع. وإن كان في جهود فردية قليلة أتاح لها عصر الانفتاح والانكشاف لكل القوى والتيارات على مقاربة مثل هذه الظواهر، ومن ذلك كتاب الباحث عبدالعزيز الخضر (السعودية سيرة دولة ومجتمع).
ومثل هذه الأطروحات، لم يألفها جمهور تعوَّد السماع، وتلقي المطويات والرسائل، ومضامين وسائط الاتصال الحديثة التي كانت من أظهر قنوات اتصالهم بالجمهور. وتخدير واستلاب وعيه باهتمامات تؤصل فيه الخوف وتشده إلى الانشغال بقضايا هامشية، وتسلبه فاعليته العقلية، وحريته الشخصية، وتكوين ذات واعية تُمايز وتختار، وهي عوامل قد يكون من الصعب استئصال نتائج تراكماتها الطويلة. فما بُني خلال حوالي ثلاثة عقود شكَّل وعي جيل بأكمله، لن يكون تقويضه سهلاً في فترة زمنية قليلة، ولا سيما في عهد تشكله سرعة التحولات، وكذلك جاهزية وقابلية التواصل والتفاعل السريع بين الأفراد والجماعات فيه.
صحويون
محمد الدبيسي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
