انتشرت هذه الأيام الصُحف الإلكترونية انتشاراً عجيبا، لدرجة أنه أصبح من المستحيل معرفة عددها أو معرفة أسمائها، فكل منطقة ومدينة وربما حتى القُرى تملك صُحفا إلكترونية، وكذلك القبائل، بل وربما أصبح لكل عائلة صحيفة إلكترونية
وبرأيي أن إجراءات وسهولة الحصول على ترخيص من وزارة الإعلام لمزاولة هذه المهنة شيء مُشجع للخوض في هذا المجال، هذا بخلاف من لا يملك الترخيص أصلاً، ومع ذلك لايزال يزاول هذه المهنة بكل راحةٍ وطمأنينة
وبما أن «الشيء إذا زاد عن حده، انقلب إلى ضده»، فإن هذا هو الحاصل هذه الأيام، فـهذه الصحف أصبحت مثل «الهم على القلب»، وسرعة نشرها لـلأخبار بدون التأكد من المعلومة وهل هي صحيحة أم لا، وكذلك أغلبها تأخذ (الخبر الصحفي) من جانب واحد، وتغييب الرد من قِبل الطرف الآخر، ورغم كل هذه (البدائية الصحفية)، فـإن كل صحيفة تدعي الحياد والأمانة الصحفية في المعلومة وسرعة نقل الأخبار، وأنها صاحبة السبق في الخبر، وأن لديها (المصادر الصحفية الخاصة بها)، وما تلبث الأيام أن تثبت لنا أن هذه المصادر الخاصة - كما تدّعي - لم تكن إلا شائعات لم يتم التأكد منها ومن صحتها، والهدف منها التسويق للصحيفة بأي شكل من الأشكال
واللافت للنظر أن كُل من يملك «قرشين» ولا يعلم ماذا يفعل بهما، فإن أول وأسهل عمل يقوم به هو افتتاح صحيفة إلكترونية ووضع اسمه رُباعياً على»ترويسة» الصحيفة وصورته كذلك، وبمكان بارز لكي يراه الجميع، حتى لو كان لا يملك من المؤهلات إلا «ثانوية عامة ليلي»، وربما لم يسبق له أن سمع بالمهنية والموضوعية والحياد بحياته الإعلامية، إذا جازت تسميتها بالإعلامية، وكل هذا من أجل المباهاة الاجتماعية فقط
وبإمكانكم التوجه إلى مواقع هذه الصحف والتأكد بأنفسكم من مدى صحة كلامي، وأنا متأكد من أنكم سوف تقرؤون موضوعا ما، في أكثر من صحيفة، وسوف تجدون أن عبارة «مصادر خاصة بالصحيفة» هي السمة الأبرز لأغلب هذه الصحف، ومع ذلك نجد الخبر يتنقل بين هذه الصحيفة وتِلك، ولا ندري لمن الأسبقية في نشر الخبر، ومن بذل جهدا كبيرا في صياغته وإعداده وتعب عليه، وتأتي صحيفة أُخرى وتأخذ الخبر بكل سهولة ويُسر
ولكيلا نعمم هذا الكلام على جميع الصحف الإلكترونية، فللأمانة هناك صحف قليلة جداً تتميز بطرحها الراقي والعقلاني، والالتزام بالمصداقية والحياد والموضوعية في الطرح، وهي معروفة وواضحة كـ «الشمس في رابعة النهار» لجميع القُراء، وقد لا أُذيع سراً إن قلت إنها لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة فقط، وهذا شيء خطير جداً، أن تتدنى المهنية لهذه الدرجة، قياساً بعدد الصحف الذي يتجاوز عددها على أقل تقدير 2000 صحيفة إلكترونية، حسب تصريح رئيس جمعية الإعلام الإلكتروني، منها 600 صحيفة مُصرح لها رسمياً، و 1300 تعمل بلا ترخيص