اختلط الحابل بالنابل.. هذه هي العبارة التي لا أجد لفظاً أو كلمة أو عبارة أكثر دقة منها في وصف الحالة التي تمر بها معالم السياسة في منطقتنا العربية بعد الرياح التي اجتاحت العالم العربي وأسموها بالربيع العربي.
فالخارطة السياسية تغيرت بعد كانت معالمها وخطوطها وحدودها وألوانها تحدد مسار كل دولة في سياستها وتوجهاتها وأهدافها العامة التي تسعى للوصول إليها من خلال سياسة واضحة اللون والمعالم، وتشير بجلاء إلى علاقة هذه الدولة بتلك، وتدل بوضوح على التوجه العام لكل دولة، وتوضح المسار الذي تنتهجه في سياستها، حتى كان كل من لديه أبسط مبادئ علم السياسة وأدنى معرفة ببواطن الأمور يستطيع أن يعرف موقف كل دولة من الأحداث التي تبرز من حين لآخر على الخارطة، استناداً لذلك النهج الذي تسير عليه تلك الدولة، وانطلاقا من المبادئ التي تدافع عنها وتحميها وتعلن موقفها منها بوضوح وجلاء.. ولئن كان هذا التغيير هو السائد في معظم حال السياسة في الدول العربية، إلا أنه لم يعد خاصا بها وحدها، فقد ظهر هذا الاختلاف في التوجهات والمبادئ والقيم في سياسة بعض الدول المؤثرة عالميا، فتغيرت ملامح سياستها، فالعدو اللدود بالأمس ومنذ عقود أصبح اليوم حليفا استراتيجيا ودودا، ومن كان بالأمس شريكا وحليفا وصديقا أصبح اليوم في خانة الريبة والشك والحذر والتحييد. هذه الخارطة السياسية تمت إعادة رسمها من قبل القادة السياسيين فيما يبدو في عجلة من الزمن فظهرت فيها التشكيلات مختلطة السبل ومتشابكة الاتجاهات، ومعالمها وحدودها غارقة في الضبابية، فلم تعد تتضح الأمور، ولا تشير بوصلتها إلى المنهج الحقيقي لتلك الدول قبل الربيع العربي. ولو اقتربنا قليلا من الإيضاح - وهو الأمر الذي يعنينا نحن أبناء الخليج - فإننا نجد مثلا أن دول مجلس التعاون الخليجي التي كان من المفترض بعد خمسة وثلاثين عاما من قيام مجلسها التعاوني أن يكون لها سياسة موحدة تجمعها تحت مظلة المصلحة العامة للدول الأعضاء بالمجلس، وتكون نظرتها تجاه الأحداث في المنطقة على بعد واحد، ومن زاوية واحدة، وبمقياس محدد دقيق يخدم مصلحة دول المجلس، وأن تكون قوات درع الجزيرة المشتركة والتي تم إنشاؤها عام(1982م) قد أصبحت قوة لها ثقلها في منطقة الشرق الأوسط رادعة وحامية - بعد الله - عن الدين والوطن الخليجي، وأن تصبح عملتها واحدة لها ثقلها وقوتها بين العملات العالمية، بحكم ما تمتلكه من ثروات وموارد مالية هائلة، فامتلاكها للنفط، تلك الثروة العالمية الضخمة التي تشكل قوة اقتصادية مؤثرة في العالم كله، ينهض سببا لتكون عملتها عملاقة بين العملات، وأن تكون خلال خمسة وثلاثين عاما قد أنشئت مصانع ضخمة تسد حاجة مواطني الخليج من الاستيراد لكل السلع التي يحتاجونها، وأقيمت جامعات عملاقة تستوعب أبناء الخليج.. لكن الواقع يشهد بأنه لم يحدث شيء من ذلك، ثم جاءت رياح الربيع العربي فكشفت أن السياسة لم تعد واحدة، وكأن الأهداف اختلفت مواقعها، والمبادئ والقيم تلاشت، فلم تعد بحاجة للتمسك بها، فبعض الدول تعارض سياسة بعضها الآخر جهارا نهاراً.. هذه هي الحقيقة، ومن يقل بغير ذلك فإنه يتكئ على حسن ظن في غير موقعه، أو أنه يحاول أن يحجب الشمس بغربال، فساحة الإعلام تكشف بجلاء عن تلك الاختلافات الواسعة والتوجهات المتعارضة.
فبعض دول الخليج باتت تغازل ملالي طهران، في الوقت الذي يعرف الجميع فيه أن طهران لديها أجندة توسعية وتدخل سافر في كثير من مفاصل الحياة السياسة في دول الخليج. فلحساب من يكون هذا التقرب لإيران؟ كما أن دول الخليج منقسمة تجاه الأحداث في بعض الدول العربية كمصر على سبيل المثال، وهو أمر يشير إلى عدم توحيد السياسة الخارجية والتطلعات والأهداف داخل البيت الخليجي. بعض الدول العربية كمصر مثلا تحاول التقرب من روسيا، مع أن روسيا وقفت موقفا مخزيا مع النظام السوري، ودافعت عنه ولا تزال، وأباحت لطاغية الشام كل أنواع القتل والتدمير والفساد، مما أثار الاستياء والتذمر والاستنكار من كل عقلاء العالم، فهذا التقارب المصري الروسي يأتي بخلاف ما يتمناه الداعمون للحكومة الجديدة في مصر. فبأي وجه سياسي يمكن أن يفسر مثل هذا التقارب وهو مضاد لتوجهات الداعمين للحكومة في مصر؟! وإذا حاولنا أن نلقي نظرة عابرة على الخارطة السياسية الكبيرة التي تشمل العالم كله نجد التقارب الأمريكي الإيراني، ومظاهر التحالف الجديد بعد عداوة وتعارك سياسي دام طويلا، فإذا الأمور تنقلب رأسا على عقب، فالود حل محل الكره، والتحالف محل الاختلاف وتوطيد العلاقات ودعمها بدلا من إعلان الحرب الباردة. والعجب والدهشة يكونان حين نعلم أن ذلك التقارب يتم على حساب علاقات أصدقاء وحلفاء عاشوا عدة عقود في علاقات ودية تتسم بالقوة والمتانة لا تعكرها الأحداث.
إن الناظر لخارطة السياسة بعد رياح الربيع العربي والثورات المضادة لم يعد يدرك ما حوله بالضبط، وأصبح لا يرى حقيقة الأمور، ولا يستطيع أن يتنبأ بما يحدث من أي دولة تجاه الأحداث والمستجدات السياسية الحالية. وهذا أمر أعتقد أنه لا يخدم مصالح الدول بصفة عامة، فتسارع الأحداث يجعل صديق الأمس عدو اليوم، والعكس كذلك.. فهل يكون التأني في اتخاذ القرارات تجاه المستجدات هو الحل؟ أم إن الأحداث المتلاحقة والتغييرات المتسارعة تتطلب سرعة ملاحقة تغيير المواقف والسياسة، فيتم اتخاذ قرار دون اتضاح الأمر ومعرفة معالم الحدث؟ بكل تأكيد الجواب عند السياسيين؟!