بأيِّ ذنبٍ قُتِلَ: «سقراط»؟!، وإلى أيِّ مدىً يُمكن لنا أن نستوعبَ: «الجرمَ» الذي اقترفه: «سقراط»؛ فسوّغ تالياً استباحة «دمِهِ» داخل تلك المدينة» الإغريقيّة»، التي تخلّقت في أحشائها، نابتةُ أول تجربةٍ: (ديموقراطيّةٍ) في سياقٍ من التدبير السياسي المكين؟! وهل أنّ القتل، عبر وسائل: «ديموقراطيّة» يُعدُّ هو الآخر فعلاً: «ديموقراطيّاً»؟!، أمّ إنه ضربٌ من الإساءة في تنفيذ أحكام: «الديموقراطية» على نحوٍ يكرّس مدوّنة أحكامٍ إبرامها ونقضها؛ طالما يسفر عن تناقضٍ، لا يسعنا إلا السكوت عنه، بسياقٍ من التبرير السّمج، وذلك عطفاً على كونها تجربةً أولى، إذ في الغالب ما تأتي –التجارب الأولى- مرتبكة التباساً، ويكتنفها التوتر؟!

أوليست: «الديموقراطيةُ» هي: نفي لـ: «القتل»، وأدعى في أن تهب الآخرين: «حريّتهم» ليكون لهم بها حياة كريمة؟!

ثم.. ألم يُقَل عن: «الديموقراطيةِ» منذ نشأتها الأولى بأنّها: (شكل التنظيم الأرقى).. وبأنها: الأرض الخصبة التي تتجذر فيها: «الحرية» ثباتاً، بينما فرعها يشمخ في السماء؟! ما أخشاه أنها محض خطابٍ شاعريٍّ يترنّح استعداداً لسقوطٍ مريع، عند أول تجربة: «امتحان» يتعرّض لها؟! وأيهما: «السياسي/ أم الديموقراطية» الذي أعلن أحدهما تفوّقهُ على الآخر، إذ تمكن بمشغولات المراوغة التي يتوافر عليها، من توظيف الآخر، ابتغاء مآرب أخرى، اتضح أخير ، بأنّه ليس لـ:»الإنسان» فيها من حظّ أو نصيب؟! وأخيراً كيف لنا أن نتبيّن حدود: «الديموقراطية»؟! أم تُرانا سنفاجأ بفجرٍ، ستشرق شمسه لاحقاً، على مقتل: «سقراط» تبرماً من عقيدةٍ لا تدين بها: «أثينا»؟ وإلى أن تتم الإجاباتُ، عن مثل هذه الأسئلة، و عن سواها؛ فلنقرأ شيئاً من خبر محاكمة النظام الديموقراطي لـ»سقراط» وفق هذه المشاهد:

* المشهد الأول: «سقراط» بقامته الفارعة.. ينتصب وسط ساحة المحاكمة، غير مكترثٍ بمن حوله، وبرهان ذلك يظهر جليّاً في رأسه المرفوع شموخاً، وفي عينيه المتقدتين لمعاً، وكأنهما تنطقان بحب الحياة للآخرين، ولو أن يأتي ذلك على حساب «روحه» التي ستزهق عمّا قليل، إذ هي ثمن «الصدق» وعربون وفاءٍ للمبادئ، ولعلّ هذا ما جعل منه: «سقراطاً» وأبقاه في الخالدين.
* المشهد الثاني: تستأنف المحاكمة، من قِبل ممثلي: «النظام الديموقراطي»، في شخصيتين معتبرتين، تليقانِ بحجم: «سقراط».. هما: «مليطوس» و:»أنيطوس»، و لا شيء غير: «القتل» يمكنك أن تقرأه في ملامحهما الصارمةِ، وكأنهما قد جاءا في سبيل تنفيذ أمرٍ، قد قضي بليلٍ: «ديموقراطي» طويل!

* المشهد الثالث: وبما أن التدبير سياسيا يدار بـ»نظام ديموقراطيّ» ؛ فلم يكن بدٌّ من تلاوة محضر: «الاتهامات»، وعلى ملأٍ من أناسٍ- قد انخدعوا زمناً طويلاً بـ:» سقراط»- وفق ما أشاعته السلطة حينذاك-.. ولقد جاءت الاتهامات على هذا النحو:

-الإجرام في حقّ المدينة، إذ لم يراع قدسية:»المدينة الإغريقية»(ولم يتم تفسير هتكه للقدسية هذه.. ولا كيف كان) ، ذلك أنّ من يبيّت أمراً- في حقّ مظلوم- يجد نفسه مراغماً، على: «المجملات» أسلوباً ناجزاً في التهويل، دون تفصيلٍ قد يحبط:»مشروعه- التبريري-» المهم أن يفعل كل ذلك حتى لا يفتضح أمره

-إفساده عقيدةَ(الشباب) والزج بأفكارهم في أتون التهكم على العادات والتقاليد
والحط بالتالي من قيم المدينة: «الإغريقية»!-قذفه المشين-والمتكرر- لـ:(الآلهة) المعترف بها من قبل المدينة(وصنّاعها)!

-بينما القشة التي قصمت ظهر بعير:»المدينة» وأوهنت القيمة الاعتباريّة لـ:»دهاقنة الديموقراطية» هي: دعوة «سقراط» لـ:»عبادة آلهة جديدة» وإحلالها محل الأولى!

-وبسببٍ من كونها : «ديموقراطيّة» ما برحت تضيق بمن كان: «موحّداً» ويدعو إلى نبذ: «آلهتم».. بسببٍ من ذلك لم تُتَح له الفرصة في أن يدفع عن نفسه: «التّهم» ويبينَ فيها عن وجه الحق!

-وما هي إلا برهة من زمن يسيرٍ، حتى استردّ فيها: «مليطوس» شيئاً من أنفاسهِ، عقب تلاوته لائحة الاتهامات، ثم طفق يتلو الحكم الملحق بذيل اللائحة.. والذي جاء على هذا النحو الجائر:

حكمت (أول محكمة ديموقراطية) على الموحّد: «سقراط» بالموت وذلك وفق طريقةٍ: «ديموقراطيّة» مثلى.. تتمثّل في تجرّعه: «كأساً» من السمّ المصفّى!

أما المشهد الأخير فسيكون لنا معه وقفة في الأسبوع المقبل.