(أعطى مدير عام التعليم بمنطقة الرياض موعداً محدداً للاستغناء عن المدارس المستأجرة، وحدد المدة الزمنية بثلاث سنوات، حيث ستصبح بعدها جميع المدارس في مبان حكومية تشيّد على أحدث طراز يساعد في تهيئة البيئة التعليمية المناسبة مع توفير كافة المستلزمات من إمكانيات ومرافق تربوية وثقافية ورياضية)
انتهى الخبر، وسأتورط لو سُئلت: ما الجديد في هذا؟اللاجديد أن هذا الخبر نُشر في جريدة الجزيرة في 8 يناير 1983م (كم كان عمرك آنذاك؟)، اللافت ليس في الموعد الدقيق للمدير السابق، ولا في التهيئة البيئية والتعليمية المناسبة والمرافق الحالمة، بل إننا بعد 30 سنة ما زلنا نقرأ خبراً -قبل أسبوع– عن زيارة سمو وزير التربية والتعليم لمدرسة مستأجرة!هذه المرة أظن أننا بحاجة للسخرية من مقولتنا -أو لنعتبرها المستأجرة- (انس الماضي وفكر بالمستقبل)
فُهنا (كلمة السر) تكمن بالماضي، فإذا لم نعرف السبب الحقيقي الذي جعل منطقة واحدة (الرياض) لم تستطع خلال ثلاثين عاماً أن تستغني عن المدارس المستأجرة، فلن نستطيع خلال الثلاثين سنة المقبلة أن نتخلص من المدارس المستأجرة في المناطق الأُخرى
هل أبدو متشائما؟ قد أكون كذلك لو كانت مشكلة التعليم لدينا تنحصر في المباني المستأجرة، لكن.. و»لكن» هذه قالت العرب إن ما قبلها لا يعدو كونه كلاماً عابراً أو توطئة لا تبرح حدود التمهيد لقول ما بعدها، وإلى أن نجد السبب الذي جعل ثلاثين عاماً غير كافية للتخلص من تلك المدارس فما العذر لوجود مدارس (أهلية) مستأجرة؟ فإن كنا نعتبر المدارس الحكومية المستأجرة تفتقد للبيئة التعليمية المناسبة ولم نستأجرها إلا كحل موقت لعدم وجود مبان حكومية، فإنه ليس من المنطق أن أسمح لمستثمر بالتعليم بحلول لجأت أنا لها كحل موقت لمشكلتي، في هذه الحالة لو طلبت الوزارة من المُلاك أن تكون المدارس الأهلية في مبانٍ مخصصة لأن تكون مدارس، فإنها ستصطدم بغضب أصحاب هذه المدارس الذين سيحتجون ويغضبون كون هذا الشرط لم يكن مطلوباً في السابق، وقد يكون غضبهم له مبرراته القانونية! أما الأمر الآخر المتعلق بالزيارات التفقدية التي يقوم بها المسؤولون، فيكمن في أنها ما زالت بنفس (دقّة التفاصيل) التي عايشناها ونحن على مقاعد الدراسة ومارسناها ونحن على مقاعد المسؤولية، فعند وصول خطاب للإدارة بشأن زيارة المسؤول تتحول الإدارة من مديرها الذي يكون في هذه الفترة صديقا للجميع وحتى أصغر موظفيها الذي يكتشف أنه له أهمية.. يتحول الجميع إلى شخص آخر يتفنن في الترتيب والتنظيف والتجهيز بلا ملل ولا كلل (كدت أقول وبلا علل.. لغرض السجع، لكن أم العلل موجودة)، وتبدأ (الفزعات) من الإدارات الأُخرى بكل نبل وفروسية عارضين خدماتهم لإكمال النقص حتى مغادرة الزائر، لدرجة أننا نرى أشياء كنا نعتبر وجودها في بيئة العمل من الأشياء المستحيلة كالورود والحلوى والابتسامات! تبدأ التوصيات وتلقين الإجابات عن الأسئلة المتوقعة، على الرغم من أن الأمر أبسط بكثير من هذا النفاق العلني، فما المانع لو وصل الزائر ولم يجد كرسيا وثيرا أمامه (بوكيه ورد)؟ ببساطة هذه الأشياء ليست مهمة ولم تؤمنها الوزارة، وقس على ذلك بقية التجهيزات (المستأجرة)، كل ذلك تختزله صورة انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي لمدرسة مجدولة ضمن جولة سمو وزير التربية وأُخرى للمدرسة المستأجرة التي فاجأ سموه منسوبيها بزيارتهم، في الأولى تظهر باحة المدرسة بكامل بهائها وأناقتها وتبدو كأنها (لوبي فندق خمس نجوم)، وفي الأُخرى تظهر الباحة قاعاً صفصفاً لاحظ سموه عليها تراكم الغبار.. بالمحصلة لن نتقدم إذا لم نعتبر أن التجهيز والاستعداد لزيارة المسؤول باعتبارها حدثا غير عادي يعدان نوعا من التدليس وخداع المسؤول، وأن ذلك يستحق العقاب باعتبار أن المسؤول قام بالزيارة لمعرفة القصور والخلل كي يقوم بمعالجته، فيما من يعرف القصور والخلل يقوم بإخفائه والتكتم عليه، والنتيجة أن أبناءنا بعد ثلاثين عاماً سيقرؤون بأرشيف الصحف تصريح حول مشكلتهم التي اعتقدوا أنها جديدة!
الزيارات التفقدية.. والتستر على الخلل
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
