جدل أثارته «البتونيا السوداء» في أوساط عشاق العتمة، ليعترض كثير منهم في كونها «صالحة للإهداء» فمخمليتها الافتراضية ما هي إلا قبس عداء لا يسمن ولا يغني من جوع
الحداد والكراهية بحسب المفهوم الشائع لدى غالبية الناس، مذنبان نالا جرم الارتباط باللون الأسود، فلا يلبث أن يداعب بحضوره لحظاتهم إلا وتطيح به عصا الجلاد في أحاديثهم، فهو لون حزنهم وفوهة الشؤم التي تأكل الحظ وتكسر ساق الحياة لتعرقل مسيرتها
لذا فما كان من «البتونيا» إلا أن تحظى بهامشية النسب لدى بعض، خاصة أولئك الذين يفضلون التهادي بالأزهار، حيث استنكر العديد منهم احتضان الحدائق لها، متسائلين عن حقيقة وجودها
اللا اعتراف بذاتية البتونيا على منصات البساتين، ما هو إلا حالة إنكار ومقت لما توشحت به من عتمة، فلونها الأسود الذي سعى علماء البستنة أن ترتديه كشعار تعرف به، قلل من فرص شرائها، وساهم في اعتبارها ذات طليعة مأساوية لا تعد سوى وسيلة للتعبير عن الكراهية والحزن
وفي حين لم يبدد الفيلسوف الألماني غوته، هالة الغموض التي اجتاحت «الأسود» عند دراسته لتأثيرات الألوان السايكولوجية، معتبرا أن اللون ما هو إلا «ضوء مضطرب»، غير أنه ليس هناك من الألوان ما هو أكثر إثارة للاضطراب والفتنة من اللون الأسود، ما جعل تبرئة من التهمة المنسوبة إليه على مر العصور أمرا مستحيلا
يأتي هذا اللون من عمق الحدائق موصوما بصفة التمرد والعصيان على قوانين الطبيعة، مطلقا العنان لسلطته التي استطاع بها أن يخلع عار الشائعات المفضية إلى كونه الشر والحقد والسحر والموت والسوق الفاسدة والتاريخ الموبوء
وفي كونية الألوان، تلفظ متلازمة التشاؤم اللصيقة «بالأسود» أنفاسها الأخيرة، فيحتل عقب اندثارها مكانته الرفيعة بترسيمه «ملكا للألوان»، ارتبط بثقافة الشعوب ومنحت له صفة الحياد والقوة والفخامة، ليس ذلك فحسب، فعلى قيد حياة البساتين، تظهر معه الجاذبية والإغراء والأناقة
«البتونيا أو المخمل الأسود» لقب أطلق على الزهور السوداء المخملية التي تمكن عدد من العلماء التابعين لأحد المعاهد الزراعية في بريطانيا من إنتاجها، حيث استغرق منهم هذا العمل قرابة السنوات الأربع، لم يعتمدوا فيها على أي تعديلات وراثية بل تم الاعتماد على مراحل متتالية من عمليات تهجين دقيقة جدا لعدة ألوان من زهرة البتونيا حتى تمكنوا من الحصول على لونها الأسود مثار الجدل!

لمن تهدي الوردة السوداء؟

وفيما تباينت ردود عديد من الأشخاص على هذا السؤال ما بين «المدير الظالم»، و»الزوج الخائن»، و»الصديق غير الصدوق»، و»أكثر الأشخاص عداء لي»، أكدت الشابة عهود العصيمي أن ما منح هذه الزهرة الجدلية بين البشر وعالم البساتين، وجعلها محط عناية الأنظار من بين كل الأزهار بألوانها وفصائلها وأشكالها، لونها هذا _ تعني الأسود _ الذي كساها الندرة والتميز، لتتحول معه من غرس ترابي إلى آراء مصفوفة على صفحات الورق، تقول: لونها الداكن استحضر في ذهني عنصرية بشرية سعى الإسلام للقضاء عليها رافعا سبابة اللا فرقة إلا بالتقوى!ولأن المتداول يفقد اللحظات نشوتها، ويسحب البساط من بياض مهدى بالرغم من عيوب أصحابه، العصيمي فيما لو حصلت على «البتونيا» أن تهديها لمن تحبهم، فهي ترى أنها بذلك تنفي شبح السواد وهوسه في التقديم العيني