كانت قد تزوجته وهي في سنوات مراهقتها الجميلة، وهو شاب يكبرها بالسن، وتتمناه معظم بنات الجوار.
لم يفكر أهلها في حينه في مستواها الدراسي، ولم يشترطوا على العريس المقنع أن تكمل دراستها لتحمل شهادة تحميها من العوز، ولا أن تعمل كي يكون لها استقلاليتها المالية، فكلما كان يهمهم أن تسعد مع زوجها، وأن تُسعده، وأن تتمكن من تكوين أسرة جميلة متحابة، تكون نهايتها توتة توتة خلصت الحدوتة.
ولكن الدنيا لا تكون دوما حكايات سعادة أبدية، فالشيطان يحضر، ومشكلات منتصف العمر تمر، والظروف المادية تحكم، والغضب يحدث، والفطن من الرجال والنساء من يعبر من بين تلك المناطق الضيقة دون أن ينكسر، ودون أن يكسر عظام من يشاركه سني العمر.
الطلاق حدث بفورة غضب، والطلاق لم يكن إلا مما لا رجعة بعده.
حار الأهل والأحباب، وداروا على أبواب الشيوخ، فلعل أحدهم أن يفتي بعودة، ولكن العودة لن تتم إلا بمحلل!ذهبت المطلقة لبيت أهلها الذي لم تعرفه جيدا، فقد غادرته وهي مراهقة، ولم تتخيل أن تعود له في يوم من الأيام إلا زائرة خفيفة، لا تثني ركبتها لشدة تعلقها بحياتها وخصوصيتها.
لقد أنكرت كل شيء، ولم تعد تستسيغ إلا أنفاسها وشربتها ولقمتها ضمن حدود مملكتها، فقد كانت أميرة فيها قبل حرب اللا رجعة، وكانت آمرة ناهية قبل أن تصبح منهية مزجورة.
وها هي اليوم تعود لتصبح مجرد فرد نكرة شبه غريب في منزل كبير لا تملك فيه غير غرفة صغيرة، كانت في يوم من الأيام ملكا لطفلة صغيرة ضيعتها؛ غرفة لا تعرف كيف تستضيف فيها ابنة أو ابنا لها حينما يأتون لزيارتها.
رصاصة الطلقة تصيب رأس المرأة وتجعلها بلا رأس، والمطلقة كيان ليس له أي حقوق، فهي تخرج من بيت الزوج الغاضب المطلق بهلاهيل حقيبة ملابسها، ولا تملك أن تطلب نفقة أو مرتب.
نعم فأبناؤها أصبحوا كبارا، وقد فضلوا أن يبقوا في عز منزل والدهم، حتى ولو تزوج بغيرها مرات ومرات.
أما هي فقد كرهت الرجال بعد ما حدث لها من فقد للثقة بكل قانون، وبكل حال، وهي مرعوبة لا تريد أن تعيد تجربة الزواج وهي في هذه السن.
هي تريد الستر فقط، ولا تعرف كيف تبدأ من الصفر، فلا شهادة، ولا خبرة في عمل، وعليها قيود وقيود، فمن يقبل بها لتعمل عنده؟مصروفها أصبح عبارة عن تبرعات من أخ أو هبة من أخت.
والقضاء لم ينصفها، بعد أن بنت معه بسني عمرها حياته، وأمواله، وعزه، وكيانه، الذي لم تكن له إلا خادمة وحارسة وجامعة لأملاكه.
والشؤون الاجتماعية لم تساعدها في صرف معونة لها، على اعتبار أن أهلها ميسورو الحال.
وللعلم، فحتى الموت رفض أن يسعفها برحيل مبكر.