عندما وقفت «حياة بو مدين» أو مدام كوليبالي، أشهر المطلوبين حاليا في تفجير المذبحة الدامية في صحيفة «شارلي إيبدو»، أمام معالم الحرية في باريس كانت تحس بزهو في أن تصل إلى هناك. وهذه المرأة الفرنسية من أصول جزائرية تلاحقها الشرطة الفرنسية لأنها قد تكون المفتاح الرئيس للتحقيقات الجارية بشأن العملية الإرهابية الأخيرة. وتسلطت عليها الأضواء منذ قتل زوجها أمدي كوليبالي الجمعة الماضي إثر تحرير رهائن كان يحتجزهم في متجر يهودي بعد العملية. كما كشفت الشرطة أنها تبادلت نحو 500 اتصال مع زوجة أحد الأخوين كواشي، المتهمين الذين قضيا إثر تبادل لإطلاق النار مع الشرطة في عملية تحرير رهائن في مطبعة بعد تنفيذهما الهجوم. وتتبع الشرطة خط سير حياة من باريس إلى تركيا التي وصلتها في 2 يناير ثم إلى سوريا التي يعتقد أنها وصلتها أخيرا، مما يرجح اعتقاد الشرطة بأنها تتعامل مع خلية إرهابية كبيرة، ويزيد من ضرورة العثور عليها لمنع وقوع هجمات إرهابية أخرى.
وخلال مسيرتها من النقيض المنفتح إلى النقيض المتشدد، تطرفت حياة بومدين في أسلوبها الحياتي الذي عاشته في الحالتين. فعندما قابلت كوليبالي كانت تعيش حياة منفتحة، وكانت تلبس لباس البحر وعاشت مع أمدي كوليبالي في شقته قبل أن تتزوجه زواجا شرعيا. ثم تحولت إلى أن وصلت إلى مطاف الغلو واتبعت تطرفا في التدين، قالت إن زوجها هو ملهمها.
وهذا يدلل بشكل كبير للغرب أن المشكلة ليست في الإسلام وفي اعتناقه، فهذا أمر مفروغ منه، حتى إن بعض المفكرين والسياسيين في الغرب بدؤوا يقتنعون بضرورة التفريق بين المسلمين والمتطرفين. إنما تكمن المشكلة في السلوك الذي ينتهجه الإرهابي سواء كان مسلما أو غير ذلك، لأن الإرهاب لا دين له. وبالنسبة لسلوكها فإن «حياة» في الحالتين، كانت تتنوع في حضورها وتتجلى بصور مختلفة أغلبها نرجسية تعظم هذه الذات المزدوجة، وتستفز بتطرفها وعندما تنكص على عقبيها ترى نقائص يجب أن تتم.
حياة بو مدين ليست هي هند بنت المنذر ملك الحيرة التي ترهبت وتبتلت وزهدت، بل من بعض تداعيات الثابت والمتغير في كنف الإرهاب. وبمراجعة صورها يمكن لمس أن في الأفق نوعا من عدم المصالحة مع الواقع وبه يتسنى للشخص سواء كان رجلا أو امرأة ممارسة مظاهر التدين دون روح الدين بهذا الشكل الهروبي والذي يمكن أن يأخذ مداه الوقتي من التقمص وبعدها سيعود كلّ إلى قواعده مع بعض الخسائر الطفيفة.
ومن ناحية سيكولوجية فإن حياة بومدين هي رمز للمرأة العنيفة، قد تكون نتاج مجتمع عنيف أو تربية عنيفة وفي الحالتين تصنف من أفعال العنف غير المدان. وقد يكون عنفا مرتدا عن فكر آخر سببه قهر ما. وبهذا تكون خالفت طبيعة المرأة التي كان مدخلها التاريخي الإنساني باعتبارها كائنا مساهما في تلطيف الحياة بعاطفتها الطبيعية الأصيلة وما عداها من عواطف وسلوك يكون إما فطريا أو مكتسبا.
وبالرغم من أن مفهوم الحرية تستغله بعض الجماعات المتطرفة، وتحاول استخدام حرية التعبير المكفولة للجميع للإساءة للآخر المختلف، فإنّ فرنسا تظل رمزا لقيم الحرية والعدالة والمساواة التي جاءت بها الثورة الفرنسية. وكثير من هذه النماذج التي اشتعلت شرارتها من خلف ركام تفكير متطرف آخر وانتهت بحوادث وهجوم مثل هذا الهجوم الدموي، تثبت بشكل ما أن هذه القيم يتم كيلها بمكيالين سواء أكان في الغرب أو من المهاجرين. فلطالما تشدق الغرب بحرياته ولكنها تعطي انطباعا منذ الوهلة الأولى بأنها مفصلة فقط لحدود الغرب وامتداداته. ففرنسا التي توجهت إليها حياة بومدين واختارتها وطنا حصلت بمقتضاه على جنسيتها هي رمز للحرية التي لم يصن قيمتها الإرهابيون على اختلاف توجهاتهم. يقدم الغرب لكل هؤلاء فرصة أن يكونوا جزءا من قيم الحرية ولكن الفيصل في طبيعة السلوك الذي يرجع لما يمليه الضمير والروح.
"حياة بو مدين" والعنف الأنثوي
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
