جاءت الموافقة السامية عام 1424هـ على قرار مجلس التعليم العالي بإنشاء الهيئة الوطنية للتقويم والاعتماد الأكاديمي في المملكة كهيئة تتمتع باستقلال إداري ومالي، ورسالة الهيئة -كما هو معلن- (تشجيع ومساندة وتقويم جودة مؤسسات التعليم فوق الثانوي والبرامج التي تقدمها هذه المؤسسات، وذلك من أجل ضمان تحقيقها لأعلى المعايير العالمية في جوانب: جودة حصيلة تعلم الطلبة، وجودة الإدارة والخدمات المساندة المتوفرة داخل المؤسسات التعليمية، وإسهامات مؤسسات التعليم فوق الثانوي في البحث العلمي وفيما تقدمه للمجتمع الذي تعمل به.. إلخ)، وقد عملت الهيئة وتعمل على تحقيق عدد من الأهداف -كما هو معلن- كوضع معايير لضمان الجودة متوافقة مع المعايير العالمية مع مراعاة البيئة المحلية، واتباع عمليات لضمان الجودة متوافقة مع الممارسة الجيدة المتعارف عليها عالميا، ومساعدة مؤسسات التعليم العالي على تقويم أدائها والتخطيط لتحسين هذا الأداء، وتوفير قواعد المعلومات الخاصة بالممارسات الجيدة ومؤشرات الجودة، وغير ذلك.
وأمام الهيئة شوط طويل إذا ما نظرنا إلى حداثة نشأتها، وكثرة مؤسسات التعليم فوق الثانوي في المملكة، وتعدد التخصصات والبرامج بها، ومستوى الوعي بأهمية الجودة؛ فعلى مستوى الجامعات الحكومية -مثلا- تختلف الجامعات من حيث النظر إلى الجودة بمحمل الجد، وقد رأينا جامعات كانت قبل نحو ست سنوات أو نحوها أكثر اهتمامًا بالجودة والتطوير منها الآن، وربما دعاها ذلك فيما بعد إلى خفض مستوى وعدد الجهات المعنية بالجودة بها، في حين تبدو جامعات أخرى أكثر نشاطًا، فيما لم يحصل على الاعتماد المؤسسي سوى 3 جامعات فقط من أصل 28 جامعة حكومية، وأيًّا كان الأمر تبقى معايير الجودة أداة القياس العلمية والخيار الوحيد.
ومما يجب أن تسعى الهيئة إلى إعادة النظر فيه -وخصوصا أنه ورد ضمن أهدافها عبارة (مع مراعاة البيئة المحلية)- وجود عدد من الأدلة والنماذج التي تبدو آثار الترجمة الحرفية بارزة فيها، وأن يتم تحديد الأولويات بشكل دقيق، وأن يتم وضع أطر تجعل مؤسسات التعليم فوق الثانوي تراعي من بداية نشأتها وفتح برامجها معايير الجودة؛ إذ نرى جامعات الآن تعتمد من خلال مجالسها بصفة رسمية برامج وممارسات وخططا دراسية لا تتفق ومعايير الهيئة، فلو تم ربط هذه الإجراءات بموافقة الهيئة ودعمها بالكادر البشري المؤهل فسيكون ذلك جيدا، والأمل أن تنتقل الهيئة قريبا من التثقيف والتوعية والمساعدة ووضع المعايير إلى دور أعمق يجعلها أكثر فاعلية وحزمًا، بالنظر إلى الأهمية البالغة لها ولدورها.